حالُ السَّلفِ في وَدَاعِ رَمَضَان

كتبهارياض الغيلي ، في 23 أكتوبر 2006 الساعة: 21:58 م

نقلاً عن كتاب (هكذا رحل رمضان) لمحمد بن يوسف الجوراني

وكيف يكونُ الجيلُ القُرآنيُّ الفريدٌ في إِشْفَاقِهِم في قَبولِ العَملِ بَعدَ رَحيلِ رَمَضَان ؟

فعن عائشة رضي الله عنها ، قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، قولُ اللهِ تعالى : (والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى راجعون) [ سور المؤمنون : 60 ]

أَهُمْ الذين يَشربونَ الخمرَ ويَسرقونَ ويَزنونَ ؟ قال : لا يا ابنةَ الصديق ! ولكنَّهم الذين يَصومونَ ، ويُصلُّونَ ، ويَتصدَّقُونَ ، وهم يخافون ألا يُقْبَلَ منهم ، أؤلئك الذين يُسارعونَ في الخيْرَات ! ".

 قال الحسنُ رحمه الله : عَمِلُوا واللهِ بالطَّاعاتِ واجتَهدُوا فيها وخافوا أنْ تُرَدَّ عليهم ، إنَّ المؤمنَ جمع إحساناً وخشية ، وإنَّ المنافقَ جمع إساءة وأمناً.

آيةٌ عظيمة أرَّقَتْ قلوبَ الخائفين وقَصَمَتْ ظهورَ الصالحين ، فلله دَرُّهُمْ

رُوِيَ عن علي رضي الله عنه : أنَّه كان ينادي في آخرِ ليلةٍ من رمضان : ياليتَ شعري ! من المقبولُ فنهنَّيه ؟ ومن المحرومُ فنعزَّيه ؟

وذا ابنُ مسعودِ رضي الله عنه يقول : أيها المقبولُ هنيئاً لك ،  ويا أيها المردودُ جَبَرَ اللهُ مصيبتَك !

وهذا عامرُ بن قيس رحمه الله  : يبكى ! فقيل له ما يبكيك ؟

 فقال : والله ما أبكي حرصاً على الدنيا أو متاع ، أبكي على ذهابِ ظَمَأِ الهواجر ، وعلى قيام ليالي الشتاء !

وتأمَّلْ حالَ العالمِ الورعِ الزاهد ، عمرَ بن عبد العزيز رحمه الله ، حين خرج يوم الفطر ليخطب فقال : أيُّها الناس .. صُمتمْ للهِ ثلاثينَ يوماً ، وقُمتمْ ثلاثينَ ليلةً ، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أنْ يَتَقبَّلَ منكم ما كان ! وكان بعضُ السلفِ يَظْهَرُ عليه الحزنُ يومَ عيدِ الفطرِ ، فيُقَالَ له : إنَّه يومُ فرحٍ وسرور ، فيقول : صَدَقْتُمْ ؛ ولكني عبدٌ أمرني مولاي أنْ أعملَ لَهُ عملاً ، فلا أَدْرِي أَيْقبَلُهُ مِنِّي أَمْ لا ؟

قال ابنُ رجب رحمه الله : ولقد كان السلفُ رحمهم الله يَدْعُون الله ستةَ أشهرٍ أنْ يُبلّغهم شهرَ رمضان ، ثم يَدْعُون الله ستةَ أشهرٍ أنْ يَتقبَّله منهم .

وقال عبد العزيز بن رَوَّاد رحمه الله : أدركتُهُم _ الصَّحابَة _ يجتهدون في العملِ الصالح ، فإذا فعلوه وقعَ عليهم الهمُّ أيقبلُ منهم أو لا ؟

وقال الحسنُ رحمه الله : إنَّ اللهَ جعلَ شهرَ رمضانَ مضماراً لخلقه يَسْتبِقُون فيه بطَاعَتِهِ إلى مَرْضَاتِهِ ، فَسَبَقَ قومٌ فَفَازُوا ، وتَخَلَّفَ آخرونَ فَخَابُوا ، فالعجبُ من الَّلاعِبِ الضَّاحِكِ في اليَومِ الذي يَفُوزُ فيه المُحْسِنُون ، ويَخْسَرُ فيهِ المُبْطِلُون . ثُمَّ يَبْكي رحمه الله :

 

اسمـعْ أنينَ العاشقين         إنِ استطعتَ له سَماعا

راحَ الحبيبُ فَشَيَّعَـتْهُ          مَـدامعي تَهْمِي سِراعا

لو كُلِّف الجبلُ الأصمُّ         فِراقَ إِلْفٍ ما استطاعا

 

 

 فبالله عليكم ..  أَرَأَيْتُمْ صُورةً أحلى من صُورةِ المحبِّين في الوَدَاعِ كهَذِهِ ؟

 أَقَرأْتُمْ عن رَوعةِ الحنين للقاء ؟

 إنهَّم القومُ فَقِهُوا عَن اللهِ وَوَعوْا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، حازوا قصَبَ السَّبْقِ في كلِّ شيء ، واسْتَولوا على معالي الأمورِ ، فهم مَشعلٌ من مَشاعِل العِلمِ والإيمانِ والهدى ، فالسعيدُ من اتَّبعَ طريقهم ، واقتفى أثرَهُمْ ، والشقيُّ من عدَلَ عن طريقِهِم ولَمْ يَبلغْ مَنْهَجَهُم ، " فأيُّ خِطَّةِ رُشْدٍ لم يَسْتَولُوا عليها ، وأيُّ خِصْلةِ خيرٍ لَمْ يَسْبِقُوا إليها ، تالله ؛ لقد ورَدُوا يَنْبوعَ الحياةِ عَذْباً صَافياً زُلَالَا ، فوطّدوا قواعدَ الدِّينِ فلمْ يَدَعُوا لأحدٍ بَعْدَهُم مَقَالا " ، إنهَّم القوم :(يحبهم ويحبونه) [ سورة المائدة : 54] فكان ما أنتَ سامعٌ ولا عَجَبْ !

قَومٌ عندهم لذةُ العبوديِّةِ  فوقَ كلِّ لذةٍ !

قَومٌ وطَّنوا أَنْفُسَهُم على اكتسابِ الذِّخرِ البَاقي والتجارة الرابحة .

فأين أنتَ من تلك المناقبِ الزَّاهية ، و المراتب العالية ؟

ترحَّلت يا شهرَ الصيامِ بصومِنا                وقـدْ كنتَ أنواراً بكلِّ مكانِ

لئنْ فَنِيَتْ أيامُك الزُّهرُ بَغتـةً                 فما الحزنُ مِنْ قلبي عليك بِفَانِ

عليكَ سلامُ الله كن شاهداً لنا                بخـيرٍ رعاكَ الله مِنْ رمـضانِ

 

لئِنْ رحلَ رمضانُ ، فإنَّ العملَ لنْ يرحل يا صاحِ.

لئِنْ انقضى رمضانُ فالسيرُ نحو الله لن ينقضي يا أُخَيَّتي  .

فيا أُخَيَّ .. بَادِرْ ، وسَابِقْ ، ونَافِسْ في الخَيْرَات .

فالعمل لا يتوقف إلا بانقطاع الأجل ، و إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ العمل فابْقِ لكَ أَثَراً صَالِحَاً قَبْلَ الرَّحِيْل .

قال الحسنُ البصريُ رحمه الله : أيْ قوم ، المداومَةَ المداومة ، فإنَّ اللهَ لَمْ يجعلْ لعملِ المؤمنِ أَجَلاً دُونَ الموت .

(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [ سورة الحجر : 99 ]

 فيا رعاك الله .." اشترِ نفسَكَ اليوم . فإنَّ السوقَ قائمةٌ ، والثمنَ موجودٌ ، والبضائعَ رخيصةٌ ، وسيأتي على السوقِ والبضائعِ يومٌ لا تصلُ فيه إلى قليلٍ ولا إلى كثير " ، فهؤلاء القوم لم يكونوا شَعْبَانِيِّين ، أو رمضانيِّين !

 لا وربي ، بل ربَّانِيُّون .. وما أَدْرَاكَ ما الرَّبانِيَّة ؟

 فهذه الأعوامُ والشُّهورُ ، وتلكَ الليالي كلُّها مقاديرُ الآجال ، ومواقيتُ الأعمالِ ، ثُمَّ تَنْقَضِي سَرِيْعاً ، وتَمْضِي بَعِيْداً ، والذي أَوْجَدَها وخَلَقَها وخَصَّها بالفَضَائِلِ باقٍ لا يَزُول ، ودَائمٌ لا يَحُوْل ، إلهٌ وَاحِد ، ولأَعْمَالِ عبادِهِ مُراقبٌ مُشَاهِد .

قيل لِبِشْرِ الحَافِي رحمه الله : إنَّ قَوماً يَتعبَّدون ويجتَهِدُون في رمضان ؟ فقال : بِئْسَ القومُ قومٌ لا يَعرفُونَ للهِ حَقَّاً إلَّا في شَهْرِ رَمَضَان ، إنَّ الصَّالحَ الذي يَتَعَبَّدُ ويَجْتَهِدُ السَّنَة كلَّها .

 وسُئِلَ الشِّبْلِيُّ رحمه الله :  أيُّهما أفضلُ : رَجبٌ أو شَعْبَان ؟ فقال : كُنْ ربَّانِيَّاً ولا تَكُنْ شَعَبَانِيَّاً !

وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِك ، فيَنْبَغِي عليكَ أنْ تَدْخُلَ السِّبَاقَ ، ولا تَظُنَّ أنَّ العَدَدَ محدودٌ ، وأنَّه قد انتهى من عَصْرِ الصَّحابَةِ والقُرُونُ المفضَّلةِ ! فالحقيقةُ يا صاحِ أنَّ السِّباقَ فسيحُ الأرجاءِ ولَمْ يُحدِّدْهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بزمانٍ أو مكان ، بلْ بشََّرَ بِفَوزِ بعَضِ الفَائِزِينَ ( سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَة ) ،  وتركَ المجالَ لك فَسِيْحاً ، فَهَلاَّ شَمَّرتَ عن سَاعدِ الجدِّ ؟ وأخذتَ في بلوغِ العزائمِ وتَنَافَسْتَ نحو اللهِ والدَّارِ الآخرة كما كانُوا يَفْعلُون ، وفيه يتنافسون ، فأين المُشَمِّرُون؟  أتحبُّ أنْ تُدْرك قافلةَ عُكَاشَة وتَلْحق الركب ؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الواحة الرمضانية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر