هل هزم الرسول (ص) وأصحابه في أحد ؟ (2)

كتبهارياض الغيلي ، في 4 نوفمبر 2006 الساعة: 21:58 م

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين … ولا عدوان إلا على الظالمين .

أشهد ألا إله إلا الله .. ولي الصالحين …

واشهد أن محمداً عبد الله ونبيه ورسوله … إمام المتقين .. وخاتم الرسل أجمعين … صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين .. وأصحابه أجمعين .

أما بعد : أيها الإخوة المؤمنون .. أيتها الأخوات المؤمنات : نعود من هنا إلى هناك .. من هنا حيث مدرسة الحبيب محمد (ص) ، إلى هناك حيث أصيب المسلمون إصابة بليغة في أحد …

أيها المسلمون الأماجد : ولما جن الليل توقف القتال .. عن نتيجة قدرها .. سبعون شهيداً من جيش المسلمين .. وسبعة وثلاثون قتيلاً من جيش المشركين.

وعد المشركون هذا نصراً لهم .. فتقهقروا عائدين إلى مكة .. فرحين بما جرى .. وكأنهم حازوا الدنيا وما فيها ..

وعاد الحبيب (ص) إلى المدينة بعد أن دفن الشهداء .. وحمل الجرحى .. عاد بجيش منهك .. متعب .. جريح .. كسير ..

وبات النبي (ص) حزيناً .. لما أصاب أصحابه .. فلما أصبح الصباح .. أذن مؤذن الجهاد : ألا يتخلف أحد ممن شهد أحداً عن ركب رسول الله (ص) لمطاردة جيش المشركين .. حتى لا تسول لهم أنفسهم العودة إلى المدينة ..

وما هي إلا لحظات حتى اجتمع أصحاب رسول الله (ص) ما تخلف منهم رجل واحد .. جاءوا بجراحاتهم .. ومآسيهم .. ملبين داعي الجهاد ..

وعلم أبو سفيان بعودة المسلمين إلى مطاردتهم .. فأسرع الخطى نحو مكة .. وغذ السير .. حتى ينجو بما عده نصراً في أحد ..

وعسكر الرسول بجيشه ثلاثة أيام في حمراء الأسد على بعد ثلاثة عشر كيلو متراً من المدينة ..

أيها المؤمنون الأحبة : لن أستطيع في لقاء واحد معكم أن أحيط بأحداث ملحمة أحد .. فذلك يتطلب عدة لقاءات ..

فلن أتحدث عن بطولات ( أُسد أحد ) في أحد .. ولن أتحدث عن تضحيات ( أُسد أحد ) في أحد …

لن أتحدث عن مقتل أسد الله وأسد رسول الله سيدنا حمزة بن عبد المطلب (رض).

ولن أتحدث عن صاحب العصابة الحمراء .. أبي دجانة ..

ولن أتحدث عن بطولات علي .. ولا أنس بن النضر .. ولا سعد بن الربيع .. ولا سعد بن أبي وقاص .. ولا أبي عبيدة بن الجراح .. ولا الملتفين حول الحبيب محمد (ص) للدفاع عنه .. بل لفداءه .. ولا عن جهاد أم عمارة ..

ولن أتحدث عن إصابات الحبيب محمد (ص) ..

سأترك الحديث عن تلك البطولات .. وتلك التضحيات .. لأطرح سؤالين هامين .. والإجابة عليهما ..

السؤال الأول : ما الأسباب التي أدت إلى انتكاسة المسلمين في أحد ؟

السؤال الثاني : هل تسمى تلك الانتكاسة هزيمة للمسلمين .. ونصراً للمشركين طبقاً للقواعد العسكرية المعروفة ؟

أيها المؤمنون الأعزاء : أما الإجابة عن السؤال الأول فتتلخص في نقطتين هامتين .. وسببين واضحين .. أديا إلى انتكاسة المسلمين في أحد ..

السبب الأول : عصيان الرماة لتوجيهات قائدهم (ص) التي تقضي بعدم مغادرة مواقعهم مهما حدث ..

لقد كان أمر الحبيب محمد (ص) واضحا وضوح الشمس في ضحاها .. جلياً جلاء القمر إذا تلاها : ( إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم .. وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم )

( إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم .. وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم )

ولكن الرماة (عفا الله عنهم ) لما رأوا الدائرة تدور على المشركين في بادئ الأمر .. خالفوا الأمر .. وعصوا الرسول .. ظناً منهم أن المعركة قد انتهت ..

وأسميه عصياناً .. لأن الله تعالى .. سماه عصياناً .. وحباً للدنيا : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ( أي بالنبل ) حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ( اختلفتم حول البقاء أو النزول ) وعصيتم ( أمر الرسول ) من بعد ما أراكم ما تحبون ( النصر ) منكم من يريد الدنيا ( الغنائم ) ومنكم من يريد الآخرة ، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ، ولقد عفا الله عنكم ، والله ذو فضل على المؤمنين )

السبب الثاني : إشاعة قتل النبي (ص) .. هذه الإشاعة حققت دوراً كبيراً .. في زعزعة معنويات المسلمين ..

كيف يقتل رسول الله ، وهو المعصوم المحفوظ من المولى جل جلاله ؟

كيف يقتل الحبيب ولمّا يتحقق نصر الله الذي وعدنا ؟

كيف يقتل قائدنا ومعلمنا وهادينا .. ودعوته لا زالت وليدة الأمس ؟

كل هذه التساؤلات وغيرها دارت في خلد معظم أفراد الجيش المحمدي .. فزعزعت المعنويات .. وأنهكت القوى .. وأسلمت رقاب المسلمين للقتل .. ودفعت الكثير إلى الهروب ..

وفي ذلك يعاتب المولى جل جلاله عباده المؤمنين فيقول : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .. ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين )

( وما محمد إلا رسول) .. ( وما محمد إلا رسول)

(قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟)

أما قصة الهروب والتولي فيتحدث عنها مولانا فيقول : ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ، ولقد عفا الله عنهم ، إن الله غفور حليم )

تلكم أيها المؤمنون الأفاضل إجابة السؤال الأول ..

أما إجابة السؤال الثاني : هل تسمى تلك الانتكاسة هزيمة للمسلمين .. ونصراً للمشركين طبقاً للقواعد العسكرية المعروفة ؟

فلكي تتضح الإجابة على هذا السؤال يجب أن نتعرف سوياً على الشروط العسكرية المعروفة للحكم على جهة محاربة بالنصر أو الهزيمة ..

فما هي شروط النصر ؟ وما هي معايير الهزيمة ؟

الشرط الأول : احتلال الأرض : لا يحكم على جهة بالهزيمة إلا إذا احتل العدو أرضها أو جزءاً منها ..

كما حدث أيام الاستعمار في مصر .. وليبيا .. وسوريا .. والعراق .. والجزائر .. والمغرب .. والأردن .. وفلسطين .. وغيرها

فقد كانت هذه الدول دولاً منهزمة .. لأنها كانت محتلة إحتلالاً كلياً ..

وكما هو حاصل اليوم في الدول التي يتواجد فيها الجنود الأمريكيون .. المارينز الأمريكي .. أو توجد على أراضيها قواعد عسكرية لألد عدو للإسلام والمسلمين .. هذه الدول .. دول مهزومة .. لماذا ؟

لأن العدو الأمريكي محتل لجزء من أراضيها بالقوة العسكرية ..

والتواجد العسكري .. والاحتلال الجزئي .. في الأعراف العسكرية .. أشد هزيمة من الاحتلال الكلي ..

الإحتلال الجزئي .. في الأعراف العسكرية .. أشد هزيمة من الاحتلال الكلي ..

كيف ذلك ؟

الاحتلال الكلي للأرض .. يقاوم .. يجاهد .. كما هو حاصل في فلسطين .

أما الاحتلال الجزئي للأرض .. فهو يتم بموافقة المهزوم .. وتحت حماية المهزوم .. والمنتصر يفرض على المنهزم السياسة التي يريد .. ويملي عليه الشروط التي يريد ..

فهل حدث ذلك لدولة الإسلام في عهد الحبيب محمد (ص) بعد معركة أحد ؟

هل احتل جيش المشركين مدينة الرسول (ص) ؟ أو أي جزء منها ؟

الإجابة : لا ..

بل رجع جيش المشركين إلى مكة بخفي حنين ..

الشرط الثاني : إبادة الجيش : فلا يحكم على جهة بالهزيمة إلا إذا أبيد جيشها إبادة كاملة .. وأصبحت الدولة المنهزمة بلا جيش !!

كما حدث لألمانيا في الحرب العالمية الثانية .. عندما خرجت من الحرب بلا جيش فحكم عليها بالهزيمة ..

فهل أبيد جيش محمد (ص) في معركة أحد ؟

الإجابة : لا ..

كل الذين قتلوا من المسلمين في هذه المعركة سبعون .. سبعون شهيداً .. من جيش قوامه سبعمائة مجاهد .. أي ما نسبته ( عشرة بالمائة من قوام الجيش ) !

فهل تسمى هذه إبادة ؟

وقُتل من جيش المشركين (سبعة وثلاثون مشركاً )

( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون )

فكيف نسمي ما حدث للمسلمين في أحد هزيمة وقد رجع الرسول بتسعة أعشار الجيش المحمدي ؟

الشرط الثالث : تبديل العقيدة .. تبديل المبادئ .. تغيير الفكر ..

وهذا ما لم يحدث للمسلمين بعد أحد .. فقد خرج الحبيب محمد (ص) وهو رسول الله .. وعاد إلى المدينة بعد أحد وهو رسول الله ..

خرج المسلمون إلى أحد وهم مؤمنون بالله ورسوله .. وعادوا من أحد وهم أشد إيماناً بالله وبرسوله ..

فكيف نحكم عليهم بالهزيمة ؟

الشرط الرابع :الاستسلام للعدو:عندما تستسلم دولة لأخرى تسمى دولة مهزومة ..

عندما يستسلم جيش لآخر يسمى الجيش المستسلم جيشاً منهزماً ..

كما حدث لليابان عندما استسلمت لأمريكا بعد قنبلة هيروشيما الإرهابية التي قتلت أكثر من مائة ألف ياباني مدني ..

فأصبحت اليابان بعد استسلامها لأمريكا لعبة صغيرة بيد أمريكا ..لا تفعل إلا ما تريد أمريكا ..

فهل استسلم الرسول (ص)  للمشركين في أحد ؟

 الإجابة : لا .. وألف لا ..

ما استسلم رسول الله .. إلا لله … وما سلم رسول الله إلا لله .. وما ركع رسول الله إلا لله .. وما انحنى رسول الله إلا لله ..

بالله عليكم هل سمعتم بجيش منهزم يطارد ويلاحق الجيش المنتصر ؟

أيها العسكريون .. أيها القادة .. يا ألوية الجيوش .. يا أركان حرب المعارك ..  في زمن خلى من المعارك إلا على الإسلام .. وأهل الإسلام ..

 أيها المفكرون .. أيها الكتاب .. أيها العباقرة …

هل سمعتم عبر التأريخ بجيش منهزم يطارد الجيش المنتصر ؟

فكيف تسمون ما حدث لجيش المسلمين في أحد هزيمة ساحقة وقد تعقب جيش المشركين إلى حمراء الأسد ؟

كيف تصفون جيشاً يقوده المعصوم (ص) بالجيش المنهزم ؟

هل يُهزم جيش فيه رسول الله ؟

هل يُهزم جيش يدافع عن عقيدة لا إله إلا الله ؟

هل يُهزم جيش يقاتل فيه الله جل في علاه ؟

عودوا إلى رشدكم .. فما حدث للمسلمين في أحد .. ليس هزيمة ..

ما حدث للمسلمين في أحد ليس هزيمة .. إنما نسميه ( امتحاناً) أو ( إصابة )

كما سماها مولانا جل جلاله : ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ) وصدق الله .. صدق الله .. وكذب الآخرون ..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خطب ومحاضرات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “هل هزم الرسول (ص) وأصحابه في أحد ؟ (2)”

  1. ما شاء الله والله لهذا هو القول البليغ جزاك الله خيرا

    وأرجو المعذرة منك فقد أستعنت بهذه الخطبة فى الرد على أحد المشككين فى هذه المسألة وأرجو من الله أن يجعلها فى ميزان حسناتك

    أخوك فى الله محمد بدر



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر