ماذا فعلت الدكتاتوريات بالحضارات على مدار التاريخ؟

كتبهارياض الغيلي ، في 8 يوليو 2007 الساعة: 16:59 م

بقلم: أ.د. السيد نوح (مجلة المجتمع الكويتية)
يشهد الواقع الذي عاشه البشر منذ بدء الخليقة إلى اليوم أن الدكتاتوريات كان لها أثر كبير على الحضارات، ويطيب لنا أن نقف على هذا الأثر، ولكي يكون لدينا تصور واضح أو قريب فإننا سنتناوله في عدة محاور :
أولاً : معنى الدكتاتوريات وصورها

عرف مجمع اللغة العربية الدكتاتورية بقوله حكم الفرد أو الجماعة دون الالتزام بطريق أو بأخرى فيحكمون الناس بما يخالف مقاصدهم ومصالحهم، أي أن هذا الحاكم فرداً أو جماعة لا همَّ لهم ولا غاية من الحكم إلا تحقيق مصالحهم وذويهم، والتنكيل بخصومهم، والنيل منهم ليدوم لهم الحكم والسلطان، ها هو فرعون جاء وافداً على مصر من العراق، وتصور نفسه أنه يملك من المواهب والطاقات ما لا يملكه أحد من أهل مصر (وادي النيل مصر والسودان)، فنادى في الناس أنه ربهم الأعلى واصطفى نخبة من المنتفعين والانتهازيين وأصحاب المصالح حوله يتولون إعانته على إسكات الناس ونزلوا على مراده، ونفذوا حكمه، على النحو الذي حكاه رب العزة سبحانه في قوله تعالى فّاسًتّخّفَّ قّوًمّهٍ فّأّطّاعٍوهٍ إنَّهٍمً كّانٍوا قّوًمْا فّاسٌقٌينّ >54 (الزخرف).
ثانياً : أثر الدكتاتوريات على الحضارات

للدكتاتوريات أثر سلبي كبير على الحضارات يتمثل في :

1 إسكات صوت النخبة، وتغييبها عن الساحة تماماً، إذ كل أمة لا تخلو من النابهين، والعاملين بجد وإخلاص، وهؤلاء هم الذين سيتولون الوقوف أمام إرادة هذا الدكتاتور ليحولوا بينه وبين ما يضر مصلحة الناس ومصلحتهم، وهم بما يملكون من حجة وبرهان وقدرة على الإقناع، وعمل على أرض الواقع سيؤثرون في الجماهير، ويشحنونهم ضد ما يشاهدون من العبث بمصالحهم، وذاك بالطبع شيء يزعج الدكتاتور، ويؤرقه، ويخيفه على كرسيه فيبدأ الكيد ضد هؤلاء تارة باتهامهم زوراً وبهتاناً أنهم هم المفسدون في الأرض، يريدون العبث بالدين، والدماء والعقول، والأعراض، والأموال، وأن الحل الوحيد هو تغييبهم عن أعين الناس، ثم التخلص منهم، كما قال فرعون لما دعاه موسى وهارون ّقّالّ فٌرًعّوًنٍ ذّرٍونٌي أّقًتٍلً مٍوسّى ّلًيّدًعٍ رّبَّهٍ إنٌَي أّخّافٍ أّن يٍبّدٌَلّ دٌينّكٍمً أّوً أّن يٍظًهٌرّ فٌي الأّرًضٌ الًفّسّادّ >26 (غافر). وإذا كان هناك حوار، فإن الدكتاتور يديره على مبدأ الضوضاء والغوغائيين لا بالدليل والحجة، إذ لما سأل فرعون موسى عن ماهية رب العالمين أجابه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (الشعراء24) رد باستهتار قائلاً لمن حوله ألا تستمعون (الشعراء25) فإن ظهر هناك تأثر بكلام النخبة من بعض المحيطين بالدكتاتور والانضمام لهذه النخبة هددهم بالقتل والصلب كما هدد فرعون السحرة لما آمنوا برب هارون وموسى بقوله آمّنتٍمً لّهٍ قّبًلّ أّنً آذّنّ لّكٍمً إنَّهٍ لّكّبٌيرٍكٍمٍ الَّذٌي عّلَّمّكٍمٍ السٌَحًرّ فّلأٍقّطٌَعّنَّ أّيًدٌيّكٍمً ّأّرًجٍلّكٍم مٌَنً خٌلافُ ّلأٍصّلٌَبّنَّكٍمً فٌي جٍذٍوعٌ النَّخًلٌ ّلّتّعًلّمٍنَّ أّيٍَنّا أّشّدٍَ عّذّابْا ّأّبًقّى >71 (طه).
2 إيقاف عجلة التنمية والتقدم، إذ كل همّ الدكتاتور إرهاب الناس وتخويفهم بحيث لا يفكر أحد في انتقاده وبيان سوءاته، وسوءات المحيطين به، وإذا كان هذا همه فإنه لا مجال عنده لأي تنمية أو تقدم، بل إن إهمال التنمية والتقدم ربما يكون مقصوداً من الدكتاتور بحيث يشغل الناس بطلب كسرة الخبز عن التفكير في أي شيء آخر، وأحياناً يحاول الدكتاتور وأركان نظامه إيهام الناس أنه مهتم بالتنمية والتقدم، فيركز على أعمال ثانوية لا تسمن ولا تغني من جوع كالاتصالات والرياضة والفن الهابط ونحوها، بحيث تعمل هذه على تخدير الناس وشغلهم عن أوطانهم، وحمايتها من عدوان المعتدين وكيد المتآمرين.
3 تحويل موارد الدولة لخزانة الدكتاتور وأهله وذويه وحاشيته، تارة باسم الديون، وتارة باسم الأمن وتارة باسم الخصخصة، وتارة باسم مصاريف خاصة، وهكذا، تستنزف موارد الدولة لحسابات شخصية، وتفقد الدولة مقوماً من مقومات البقاء.
4 التآمر على حياة البشر للحد من نمو الموارد البشرية بإشاعة التلوث البيئي، أو عدم العناية بالغذاء، أو المرافق العامة، أو استيراد كل ما هو ضار ومؤذ بالصحة أو إهمال البحث العلمي ونحو ذلك.
5 السكوت عن محاسبة المجرمين، بل حمايتهم تحت مسميات كثيرة بحيث يعيثون في الأرض فساداً، فيهلكون الحرث والنسل، بل إظهار هؤلاء في صورة الوطنيين المصلحين، الذين يشار إليهم بالبنان، ويعطون الجوائز والمكافآت وتسند إليهم أرقى الوظائف، وإدارة المؤسسات.
6 بيع الأمة وتضييع مكتسباتها، بالتوسع في الإنفاق وقلة الموارد، بحيث تركبها الديون، وتحت ظل هذه الديون تُرهن الأمة لأعدائها، فيتحكمون في قرارها ومواردها وثرواتها، وفي الحديث "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" رواه البخاري (4/346، 347) من حديث أبي هريرة مرفوعاًً بلفظه.
7 تقنين الشر والفساد، بحيث يظهر الدكتاتور أمام المراقبين أنه يحكم بالقانون، وأنه لا يسعه إلا النزول على حكمه، والحقيقة أنه يريد شيوع الشر والفساد باسم القانون والتشريع، بحيث يبقى القهر والاستبداد هما الشائعان في الناس حتى ولو بعد رحيل الدكتاتور.
ثالثاً : موقف الشرائع من الدكتاتوريات

الشرائع كلها الأرضي منها والسماوي، الصحيح منها والمحرف ترفض الدكتاتوريات، لأنها مصادمة لأصل الفطرة، إذ الناس خلقوا أحراراً لا حق لواحد أن يستعبدهم أو يذلهم، وقد استمدوا حريتهم من عبوديتهم، وخضوعهم وانقيادهم لله الواحد القهار، إذ هو الذي منحهم هذا الحق وشرع لهم الشرائع، علهم يستخدمونها في مواجهة الدكتاتوريات ورأسها الجهاد بكل الأساليب والوسائل الممكنة بشرط ألا تتعارض مع مبادئ الشرع الحنيف، فقال فّلا تٍطٌعٌ الًكّافٌرٌينّ ّجّاهٌدًهٍم بٌهٌ جٌهّادْا كّبٌيرْا >52 (الفرقان)، وقال ّقّاتٌلٍوهٍمً حّتَّى لا تّكٍونّ فٌتًنّةِ ّيّكٍونّ الدٌَينٍ كٍلٍَهٍ لٌلَّهٌ فّإنٌ نتّهّوًا فّإنَّ اللَّهّ بٌمّا يّعًمّلٍونّ بّصٌيرِ >39 (الأنفال)، وقال ّلًتّكٍن مٌَنكٍمً أٍمَّةِ يّدًعٍونّ إلّى الًخّيًرٌ ّيّأًمٍرٍونّ بٌالمّعًرٍوفٌ ّيّنًهّوًنّ عّنٌ الًمٍنكّرٌ ّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الًمٍفًلٌحٍونّ >104 (آل عمران).
وكذلك الإنسان الأبيّ الحر الكريم يرفض أن يستذله أحد إلا خالق الخلق، ومدبر الأمر، وصاحب النعم كلها ظاهرها وباطنها، صغيرها وكبيرها.
رابعاً : أسباب ظهور الدكتاتوريات

لا شك أن هناك أسباباً وراء ظهور الدكتاتوريات وشيوعها، نذكر منها:

1 الجهل والغفلة إذ الجاهل بحق أصل هذا الوجود، وبنفسه، ورسالته في الأرض والمنهج الذي يسير عليه، والقدوة التي يتأسى بها، والكون الذي يعيش فيه، والعوالم الأخرى التي تزاحمه في هذا الكون، وبحقوقه وواجباته، وبالعاقبة والمصير، وعقبات الطريق وكيفية التعامل معها، يستوي عنده أن يحكمه الدكتاتور أو غيره ومثله المشغول الغافل عما يجري حوله، وموقعه من الأحداث الجارية.

2 الكبت والقهر وقد يكون الكبت والقهر سبباً في شيوع الدكتاتورية، إذ تتبع عورات الناس، والتجسس عليهم، واعتقالهم وتعذيبهم، ومحاربتهم في أقواتهم وأرزاقهم، ونفيهم أو تشريدهم في الأرض، يلقي في قلوبهم حالة من الرعب والفزع تنتهي بهم إلى الاستكانة والرضى بالأمر الواقع حتى لو كان الدكتاتورية.

3 الاستخفاف بعقول الناس وقد يكون الدكتاتور من القحّة والإجرام بحيث يستخف بعقول الناس، فيلقي عليهم ما يريد على أنه أوامر وحتميات، والناس يكونون من الطيش وعدم إعطاء العقل فرصة للتفكير، ووزن للأمور، وتقدير عواقبها بحيث لا يسعهم إلا النزول على حكمه وتنفيذ أوامره على نحو ما حكاه رب العزة عن فرعون مصر، فقال فّاسًتّخّفَّ قّوًمّهٍ فّأّطّاعٍوهٍ إنَّهٍمً كّانٍوا قّوًمْا فّاسٌقٌينّ >54 (الزخرف).

4 بطانة السوء وقد يكون سبب الدكتاتورية بطانة السوء التي تريد أن يكون الدكتاتور صورة يقفون خلفها، ويحققون مآربهم التي يريدونها فيدفعون به إلى فرض نفسه على الناس، وأنهم معه، ووراءه سيمهدون له السبيل، ويزيحون من طريقه كل حر أبي، ويكون هو من الغباء، والبله، بحيث ينفذ ما يشيرون به، ويتبناه ويدافع عنه، وتستميت بطانة السوء في مساندته، والدفاع عنه حتى آخر لحظة، لأنه بسقوطه سقوطهم، وبكشف سوءاته ستنكشف سوءاتهم أكثر وأكثر، وهم لا يريدون ذلك.

5 انقسام الأمة وتمزيقها وقد يكون انقسام الأمة وتمزيقها سبباً في ظهور الدكتاتوريات وشيوعها في العالم، لذلك رأينا الشارع الحكيم يحذر من الفرقة ويذمها ويدعو إلى الوحدة والتماسك على نحو ما سبق في (ماذا فعلت الفرقة بالحضارات؟).

6 مساندة جهات مشبوهة لها مصلحة في ذلك وقد تكون مساندة جهات مشبوهة لها مصلحة في شيوع الدكتاتورية هي السبب في ظهور الدكتاتورية على نحو ما يشهده العالم الذي يعرف الآن بالعالم الثالث، أو العالم النامي إذ الجهات التي تريد السيطرة عليه وابتزاز خيراته وثرواته، وإذلال شعوبه والقضاء على هويته وثقافته ترى أحسن وسيلة لتحقيق ما تريد إنما هي الدكتاتورية، لذلك تعمل على إمدادها ودعمها حتى تنشأ وتبقى، وفي ظلها وتحت سلطانها تحقق ما تريد.

وعلى ضوء ما قدمنا نستطيع أن نقول بكل ثقة واطمئنان إن سقوط الحضارات التي كانت ملء السمع والبصر كحضارة عاد وثمود والفراعنة والفرس والروم ونحوها إنما كان سببه في الأعم الأغلب شيوع الدكتاتورية وتمكنها من رقاب الناس والتحكم في مصائرهم. وصدق الله العظيم فّكٍلاَْ أّخّذًنّا بٌذّنًبٌهٌ فّمٌنًهٍم مَّنً أّرًسّلًنّا عّلّيًهٌ حّاصٌبْا ّمٌنًهٍم مَّنً أّخّذّتًهٍ الصَّيًحّةٍ ّمٌنًهٍم مَّنً خّسّفًنّا بٌهٌ الأّرًضّ ّمٌنًهٍم مَّنً أّغًرّقًنّا ّمّا كّانّ اللَّهٍ لٌيّظًلٌمّهٍمً ّلّكٌن كّانٍوا أّنفٍسّهٍمً يّظًلٌمٍونّ >40 (العنكبوت) والله أعلم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دين, سياسة, عيون الصحافة الدولية, قراءات, مختارات, مقالات, منوعات | السمات:, , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر