تجربة العلمانية والإسلام في تركيا تحت المجهر
كتبهارياض الغيلي ، في 20 يوليو 2007 الساعة: 17:59 م

نبيل شبيب (الإسلام أون لاين)
النموذج التركي نموذج قائم بذاته، يتردّد ذكره في نطاق الدعوة إلى العلمانية في البلدان الإسلامية الأخرى، وحديثا في نطاق التنويه بصورة "الحزب الإسلامي" الممكن قبوله في ظل مرجعية علمانية، مثلما أصبح يتردّد ذكره أيضا، في كثير من الكتابات الإسلامية، بصدد دعوات إلى التعامل مع واقع البلدان الإسلامية على غرار ما صنع "حزب العدالة والتنمية".
ومع أنّ لكل بلد ظروفا ومعطيات وشروطا ذاتية تختلف عنها في بلد آخر، يبقى أنّ القواسم المشتركة قائمة بوفرة بين تركيا والعدد الأكبر من البلدان الإسلامية، فيمكن اعتبار "التجربة التركية" أو "النموذج التركي" من منظور علماني أو منظور إسلامي، مصدرا لاستخلاص كثير من النتائج الصالحة، ليس للتقليد المحض فهو مستحيل، إنّما لتحديد معالم كبرى لأرضية الأسس والقواعد السارية المفعول في تلك البلدان أيضا، بغض النظر عن اختلاف الأشكال التطبيقية لتطوّر الأوضاع وفق خصوصيات كل بلد على حدة.
تجربة أجيال ثلاثة
إنّ التجربة التركية للعلاقة بين الإسلام والعلمانية تجربة غنية، حافلة بمختلف العناصر المتعلّقة بالجوانب العقدية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وشاملة للأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية، وذلك على امتداد ما يناهز ثلاثة أجيال متعاقبة، من جيل النقلة التاريخية الكبرى ما بين بقايا الدولة العثمانية تحت سيطرة حزب الاتحاد والترقي إلى دولة مصطفى كمال عقب الحرب العالمية الأولى، إلى جيل ترسيخ العلمانية على كلّ صعيد تحت سيطرة القوات العسكرية والأحزاب العلمانية اليمينية واليسارية حتى آخر انقلاب عسكري قبيل نهاية الحرب الباردة، ثم إلى جيل الصحوة الإسلامية التركية وتحوّلها إلى تيار سياسي لم يعد يمكن تصوّر الخارطة السياسية التركية ممكنا دون وجوده في الصدارة.
واختزال تجربة ثلاثة أجيال في مقالة أمر مستحيل، وليس مطلوبا من الأصل، إلاّ أنّ تحديد المعالم الكبرى المستخلصة من هذه التجربة ممكن وضروري، ولا ينبغي إغفاله في حقبة انتقالية حافلة بالأحداث الكبرى على امتداد المنطقة الإسلامية، مع بروز محورين فيها، أحدهما مستقبل العلاقة بين الإسلاميين وسواهم داخل الحدود، وثانيهما مستقبل العلاقة بين دول المنطقة ودول العالم الأخرى خارج الحدود. ومن هذه المعالم الكبرى دون تفصيل:
1- لا يمكن لأيّ نظام علماني في أي بلد إسلامي أن يصنع أكثر ممّا صنعه النظام العلماني في تركيا، لترسيخ دعائم العلمانية على كلّ صعيد، بدءا ببتر الجذور الثقافية التاريخية عبر تغيير حروف الكتابة مرورًا بتحريم ألبسة شعبية تقليدية (كالطربوش) ومحاربة اللباس الإسلامي (كالحجاب)، وانتهاء بعملية تغريب قيمية وثقافية واجتماعية وسياسية وعسكرية، مع محاولة قسرية لم تنقطع لتثبيت "النسب الغربي الأوروبي" بديلا عن النسب الإسلامي. برغم ذلك كلّه لا يزال السؤال المطروح من المنظور العلماني بعد ثلاثة أجيال: ما السبيل إلى تثبيت العلمانية في تركيا والحيلولة دون استرجاع هويتها الإسلامية، ليس على مستوى الحكم والأحزاب، وإنّما على المستوى الشعبي بعد أن أصبحت الانتخابات من وسائل التعبير عن توجّهات الغالبية الشعبية على هذا الصعيد. والسؤال المترتب تلقائيا على ذلك: ما الذي يمكن صنعه في أي بلد إسلامي آخر ولم يصنع في تركيا على طريق فرض العلمانية؟..
2- استغرقت النقلة من حكم عسكري مباشر يفرض العلمانية إلى حكم "ديمقراطي" يفسح المجال أمام التعددية الحزبية شرطَ التزامها بالمرجعية العلمانية جيلا كاملا، ثم كان على القوات العسكرية التي تحوّلت إلى "حارس للعلمانية التركية" أن تقوم بثلاثة انقلابات عسكرية على الديمقراطية، لتحمي العلمانية من أحزابها وممّا تغلغل فيها من فساد مكشوف، أو أوصلت إليه من إخفاق سياسي واقتصادي، أو للحيلولة دون عودة ظهور التيار الإسلامي سياسيا وإن بقي الالتزام بالمرجعية العلمانية مفروضًا عليه. ولم يعد منطقيا بعد هذه التجربة الطويلة لتسلّح العلمانية عسكريًّا، أن يُطرح السؤال عن حقيقة تعبير التوجّه العلماني عن الإرادة الشعبية وفق معايير الديمقراطية. وهذا ما يستتبع سؤالا آخر: متى يتحقق الرجوع إلى الإرادة الشعبية في اختيار المرجعية في الحياة والحكم، وليس في اختيار الأحزاب والسلطة وهياكل الحكم فحسب؟..
3- خلال الجيل الثالث من التجربة التركية، التي يرمز إليها اسم أربكان ثم اسم أردوغان، لم تدع الدولة التركية تحت السيطرة العلمانية العسكرية سبيلا من السبل إلا وسلكته للحيلولة دون أن يصعد التوجّه الإسلامي عبر صناديق الانتخاب -مع الالتزام المفروض بالمرجعية العلمانية- إلى سدّة الغالبية، وشملت تلك السبل، الحظر، والاعتقال، والأحكام القضائية الجائرة، والحرمان من ممارسة العمل السياسي، والضغوط لإسقاط الحكومة، والضغوط على بقايا الأحزاب العلمانية الخالصة لتتوحّد في جبهة واحدة، ثمّ بعد ذلك كلّه تجد العلمانية التركية نفسها في انتخابات 2007م أمام السؤال: هل سينفرد حزب العدالة والتنمية بالسلطة مجدّدا أم سيضطر إلى تشكيل ائتلاف حكومي؟.. والسؤال بحدّ ذاته عنوان معبّر عن مدى ما يعنيه إخفاق تلك الوسائل، وإخفاقها في تركيا يوجب السؤال عن المنطق الكامن في محاولات قسرية مشابهة لا تنقطع لاستخدامها في العديد من البلدان الإسلامية الأخرى!..
4- إلى جانب تلك المعالم الكبرى لخطّ المسيرة التاريخية للمعركة التي فرضت فرضا على ثلاثة أجيال من حياة الشعب التركي ما بين العلمانية والإسلام، يوجد ما لا يحصى من المعالم الأخرى البالغة الأهمية أيضا في استكمال معالم الصورة، ولا يتسع المجال للتفصيل فيها، فالإخفاق على هذه الجبهة لم يكن اعتباطيا، والنجاح على تلك لم يكن اعتباطيا أيضا. إنّ كافّة ما شهدته تركيا من صيغ للحكم العلماني أخفق في تحقيق الأهداف الأساسية المعتمدة لتحديد معايير نجاح الحكم في أي دولة، على الأصعدة الاقتصادية والمالية وعلى طريق النهضة التقنية والصناعية، إضافة إلى تثبيت مكانة دولية لا تقتصر على "أداء دور إقليمي" يفرضه الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي، أو المضيّ لمدة أربعة عقود متوالية في قرع أبواب الاتحاد الأوروبي دون جدوى.
وبالمقابل، وبشهادة الأرقام الثابتة في المصادر الغربية والمرئية في واقع تركيا، لم تعرف البلاد سياسات حكومية ناجحة للتخلّص من النسب الأسطورية للتضخم والديون الخارجية، وفي ضمان استقرار الأسواق المالية والاستثمارية، وفي تطوير الأوضاع الاقتصادية اعتمادا على الطاقات الذاتية، وفي مكافحة الفساد، سوى في فترتين، أولاهما أشبه بالمعجزة الاقتصادية، إذ لم تستغرق سوى عام واحد عندما كان نجم الدين أربكان رئيسا للوزراء، والثانية في عهد حكومة أردوغان وانفراد حزب العدالة والتنمية في تشكيلها.
تجربة تاريخية معاصرة
إن التجربة التركية كافية، أو ينبغي أن تكون كافية، لمختلف البلدان الإسلامية الأخرى، لاستخلاص العبرة التاريخية المعاصرة، والوصول إلى نتائج تفرض نفسها على أرض الواقع، وتستدعي أن تتحوّل إلى معايير لمصداقية أي دعوة تصدر عن التيارات والأحزاب، أو عن مختلف القوى الموجودة في السلطة وخارجها، إلى إقامة أوضاع مستقرّة على دعائم التعبير عن الإرادة الشعبية وسلوك طريق النهضة في مختلف الميادين. وهنا لا نتحدّث عن دروس من التاريخ القديم -ولا يستهان بأهميتها- ولا عن تصوّرات يسهل وصمها بالأوهام، وإن كانت منطقية في منطلقاتها ونتائجها، بل نتحدّث عن تجربة تاريخية معاصرة، تلقي دروسًا يعتبر الإغفال عنها ضربا من ضروب المكابرة، وفي مقدّمتها:
1- إن الانتماء الحضاري لا يمكن أن يصنع صنعًا، بل هو حصيلة التطوّرات التاريخية المديدة، وبه يرتبط الاستقرار الحقيقي في أي بلد من البلدان، وهو أيضا شرط استقرار العلاقات مع بلدان أخرى ذات انتماء حضاري مماثل أو مغاير. ومع رفض الانغلاق الحضاري ابتداء، يبقى من الضروري التأكيد أنّ الانفتاح المطلوب لا يتحقق بطريق الذوبان في الآخر حضاريًّا، بل في سلامة التعامل معه.
2- إنّ الفصل بين دور القوّات العسكرية في أي بلد، وبين ممارسة السلطة فيه، عنصر لا غنى عنه لأي حكم قويم، وإنّ كلّ تدخّل تفرضه القوّة العسكرية، أو شبه العسكرية، ويفرضه حزب من الأحزاب، أيا كان اتجاهه، لتحديد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لا يفضي إلى استبداد مرفوض فحسب، بل يفضي أيضا إلى عرقلة طريق النهوض في مختلف الميادين.
3- لا جدوى من استمرار التمسّك بأسلوب الوصاية على الإرادة الشعبية تحت عناوين صراعات حزبية وسياسية واتهامات وافتراءات، ومع رفع شعارات مستهلكة قديمة من قبيل "لا حرية لأعداء الشعب" أو مبتكرة حديثة من قبيل "علمنة الإسلاميين"، ولا بدّ من التخلّي عن ذلك لصالح أرضية مشتركة تنطلق من تثبيت المصلحة العليا هدفًا، وتحكيم الإرادة الشعبية وسيلة، لعمل مشترك، وبناء مستقبلي مستقر.
4- إنّ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية ليس شعارًا للمزايدات، بل مبدأ أساسي تنبثق عنه قواعد ما يسمّى "اللعبة السياسية"، ولا يمكن أن يستقرّ دون أن يشمل تطبيقه والالتزام بما ينبثق عن سريان مفعول قواعده، تثبيتَ المرجعية التي تختارها الغالبية وفق الاحتكام إلى الإرادة الشعبية لتوجيه الحياة والحكم.
إنّ المعركة بين العلمانية والإسلام معركة تاريخية على امتداد القرن الميلادي العشرين، وقد بدأت في تركيا قبل إسقاط آخر أشكال الخلافة الإسلامية، وما تزال مستمرة، وربما شهدت تركيا قبل سواها نهايتها، ولا يوجد ما يستدعي من أي بلد آخر أن ينتظر استمرار المعركة لأجيال ثلاثة أو أكثر، قبل حسمها، وهذا في مقدّمة ما تستدعيه الاستفادة من التجربة التركية النموذجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة, عيون الصحافة الدولية, قراءات, مختارات, مع الحدث, مقالات | السمات:قراءات, مقالات, مختارات, مع الحدث, سياسة, عيون الصحافة الدولية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 29th, 2007 at 29 يوليو 2007 9:11 م
في رأيي أن تركيا على هذا المنوال سوف تستمر بعدم الانتماء إلى أن تصل إلى نقطة محورية ثورية لتختار بين أن تكون إسلامية أو علمانية، لأنهم علة هذا المنوال لن يستطيعوا أن يتقدموا أو أن يكونوا أي جبهة واضحة في سياق الأعاصير السياسية التي تعصف بالمنطقة، خاصة في ظل الاتحاه المتنامي لدعم التيار اإسلامي بعدما أثبت الليبراليون عدم جدواهم!
يناير 6th, 2008 at 6 يناير 2008 8:19 م
مدونة جميلة
ورائعة بروعة كاتبها
شكرا اخي هذا الجهد