بين يدي رمضان

سبتمبر 10th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , إسلاميات, الواحة الرمضانية, خطب ومحاضرات, دين, رمضان, رمضانيات, مقالات

الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة، بما دفع عنهم من كيد الشيطان ؛ إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنَّة، وفتح لهم به أبواب الجنة، وصلى الله على عبده ورسوله محمد قائد الغُرِّ المُحجَّلين ومُمَهِّد السُّنَّة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
 
 فإن حكمة الله اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة، وميداناً للتنافس، ومن فضله وكرمه أن يجزي على القليل كثيراً، ويضاعفَ الحساب، ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة, فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، قال الحسن رحمه الله في قول الله عز وجل: [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[62]] [سورة الفرقان]، قال: ‘ من عجز بالليل كان له من أول النهار مُسْتَعْتَبٌ، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مُسْتَعْتَبٌ ‘؟.
 
ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلِّها شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن المجيد، ولذا كان حريًا بالمؤمن أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويتفقه في شروط ومستحبات وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل؛ لئلا يفوته الخير العظيم, ولا ينشغل بمفضول عن فاضل، ولا بفاضل عما هو أفضل منه.  
 
التأهب والاستبشار بقدوم رمضان
 
إن أول الآداب الشرعية بين يدي رمضان: أن تتأهب لقدومه قبل الاستهلال، وأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم حبيب غائب من سفره؛ إذ أن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله القائل: [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[32]] [سورة الحـج ].
 
يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويسبشرون، ويحمدون الله أن بلَّغهم إياه، ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات، وزيادة الحسنات، وهجر السيئات، وأولئك يبشَّرون بقول الله: [قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[58]] [سورة يونس ]. وذلك لأن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل، فترى المؤمنين متلهفين مشتاقين إلى رمضان، تحن قلوبهم إلى صوم نهاره، ومكابدة ليله بالقيام والتهجد بين يدي مولاهم، وتراهم يمهدون لاستقبال رمضان بصيام التطوع خاصة في شعبان .  
 
باع قوم من السلف جارية لهم لأحد الناس ، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان – كما يصنع كثير من الناس اليوم – فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: ‘ لمـاذا تصنعون ذلك؟ ‘ ، قالوا: ‘ لاستقبال شهر رمضان ‘ ، فقالت: ‘ وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلَّها رمضان ، لا حاجة لي فيكم ، رُدُّوني إليهم ‘ ، ورجعت إلى سيدها الأول .
 
 
من فضائل الصوم
 
سمع المؤمنون قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي] رواه البخاري ومسلم ؛ فعلموا أن الامتناع عن الشهوات لله عز وجل في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، كما أشار إلى ذلك مفهوم قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ] رواه البخاري ومسلم.
 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبو موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك ، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة ، إذا هاتف فوقهم يهتف :‘يا أهل السفينة ! قفوا أخبركم بقضاء الله على نفسه’ فقال أبو موسى :’ أخبرنا إن كنت مخبراً ‘ ، قال:’إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف ، سقاه الله يوم العطش’ رواه البزار ، وحسنه المنذري، وفي رواية:’ فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حراً فيصومه’رواه ابن أبي الدنيا.
 
وعَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ]رواه البخاري ومسلم .
 
 
وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ: [ آمِينَ آمِينَ آمِينَ ] ، قَالَ: [ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ: آمِينَ ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ] رواه الطبراني في ‘ الكبير’، وصححه الألباني.
 
                
 
فهل تعجب أخي المؤمن أن جبريل ملك الوحي يدعو في هذا الحديث، ثم يؤمِّن الصادق صلى الله عليه وسلم على دعائه؟! وأي عجب ورمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة، ودواعيها متيسرة، والأعوان عليها كثيرون، وعوامل الفساد محدودة، ومردة الشياطين مصفَّدون، ولله عتقاء في كل ليلة، وأبواب الجنة مفتحة ، وأبواب النيران مغلقة، فمن لم تنله الرحمة مع كل ذلك فمتى تناله إذن ؟! ، ولا يهلك على الله إلا هالك، ومن لم يكن أهلاً للمغفرة في هذا الموسم ففي أي وقت يتأهل لها؟! ومن خاض البحر اللجاج ولم يَطَّهَّرْ فماذا يطهره ؟! .                       
 
 
ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ] رواه الترمذي وابن ماجه.
 
إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هديه في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أول ليلة من رمضان:             [أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ] رواه النسائي وحسنه الألباني.

المزيد


بين يدي رمضان

سبتمبر 10th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , إسلاميات, الواحة الرمضانية, خطب ومحاضرات, رمضان, رمضانيات, مقالات

الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة، بما دفع عنهم من كيد الشيطان ؛ إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنَّة، وفتح لهم به أبواب الجنة، وصلى الله على عبده ورسوله محمد قائد الغُرِّ المُحجَّلين ومُمَهِّد السُّنَّة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
 
 فإن حكمة الله اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة، وميداناً للتنافس، ومن فضله وكرمه أن يجزي على القليل كثيراً، ويضاعفَ الحساب، ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة, فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، قال الحسن رحمه الله في قول الله عز وجل: [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[62]] [سورة الفرقان]، قال: ‘ من عجز بالليل كان له من أول النهار مُسْتَعْتَبٌ، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مُسْتَعْتَبٌ ‘؟.
 
ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلِّها شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن المجيد، ولذا كان حريًا بالمؤمن أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويتفقه في شروط ومستحبات وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل؛ لئلا يفوته الخير العظيم, ولا ينشغل بمفضول عن فاضل، ولا بفاضل عما هو أفضل منه.  
 
التأهب والاستبشار بقدوم رمضان
 
إن أول الآداب الشرعية بين يدي رمضان: أن تتأهب لقدومه قبل الاستهلال، وأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم حبيب غائب من سفره؛ إذ أن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله القائل: [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[32]] [سورة الحـج ].
 
يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويسبشرون، ويحمدون الله أن بلَّغهم إياه، ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات، وزيادة الحسنات، وهجر السيئات، وأولئك يبشَّرون بقول الله: [قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[58]] [سورة يونس ]. وذلك لأن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل، فترى المؤمنين متلهفين مشتاقين إلى رمضان، تحن قلوبهم إلى صوم نهاره، ومكابدة ليله بالقيام والتهجد بين يدي مولاهم، وتراهم يمهدون لاستقبال رمضان بصيام التطوع خاصة في شعبان .  
 
باع قوم من السلف جارية لهم لأحد الناس ، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان – كما يصنع كثير من الناس اليوم – فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: ‘ لمـاذا تصنعون ذلك؟ ‘ ، قالوا: ‘ لاستقبال شهر رمضان ‘ ، فقالت: ‘ وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلَّها رمضان ، لا حاجة لي فيكم ، رُدُّوني إليهم ‘ ، ورجعت إلى سيدها الأول .
 
 
من فضائل الصوم
 
سمع المؤمنون قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي] رواه البخاري ومسلم ؛ فعلموا أن الامتناع عن الشهوات لله عز وجل في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، كما أشار إلى ذلك مفهوم قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ] رواه البخاري ومسلم.
 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبو موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك ، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة ، إذا هاتف فوقهم يهتف :‘يا أهل السفينة ! قفوا أخبركم بقضاء الله على نفسه’ فقال أبو موسى :’ أخبرنا إن كنت مخبراً ‘ ، قال:’إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف ، سقاه الله يوم العطش’ رواه البزار ، وحسنه المنذري، وفي رواية:’ فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حراً فيصومه’رواه ابن أبي الدنيا.
 
وعَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ]رواه البخاري ومسلم .
 
 
وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ: [ آمِينَ آمِينَ آمِينَ ] ، قَالَ: [ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ: آمِينَ ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ] رواه الطبراني في ‘ الكبير’، وصححه الألباني.
 
                
 
فهل تعجب أخي المؤمن أن جبريل ملك الوحي يدعو في هذا الحديث، ثم يؤمِّن الصادق صلى الله عليه وسلم على دعائه؟! وأي عجب ورمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة، ودواعيها متيسرة، والأعوان عليها كثيرون، وعوامل الفساد محدودة، ومردة الشياطين مصفَّدون، ولله عتقاء في كل ليلة، وأبواب الجنة مفتحة ، وأبواب النيران مغلقة، فمن لم تنله الرحمة مع كل ذلك فمتى تناله إذن ؟! ، ولا يهلك على الله إلا هالك، ومن لم يكن أهلاً للمغفرة في هذا الموسم ففي أي وقت يتأهل لها؟! ومن خاض البحر اللجاج ولم يَطَّهَّرْ فماذا يطهره ؟! .                       
 
 
ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ] رواه الترمذي وابن ماجه.
 
إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هديه في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أول ليلة من رمضان:             [أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ] رواه النسائي وحسنه الألباني.

المزيد


بين يدي رمضان

سبتمبر 10th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , إسلاميات, خطب ومحاضرات, دين, رمضان, رمضانيات, مقالات

الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة، بما دفع عنهم من كيد الشيطان ؛ إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجُنَّة، وفتح لهم به أبواب الجنة، وصلى الله على عبده ورسوله محمد قائد الغُرِّ المُحجَّلين ومُمَهِّد السُّنَّة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
 
 فإن حكمة الله اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة، وميداناً للتنافس، ومن فضله وكرمه أن يجزي على القليل كثيراً، ويضاعفَ الحساب، ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة, فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، قال الحسن رحمه الله في قول الله عز وجل: [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[62]] [سورة الفرقان]، قال: ‘ من عجز بالليل كان له من أول النهار مُسْتَعْتَبٌ، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مُسْتَعْتَبٌ ‘؟.
 
ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلِّها شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن المجيد، ولذا كان حريًا بالمؤمن أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويتفقه في شروط ومستحبات وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل؛ لئلا يفوته الخير العظيم, ولا ينشغل بمفضول عن فاضل، ولا بفاضل عما هو أفضل منه.  
 
التأهب والاستبشار بقدوم رمضان
 
إن أول الآداب الشرعية بين يدي رمضان: أن تتأهب لقدومه قبل الاستهلال، وأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم حبيب غائب من سفره؛ إذ أن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله القائل: [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[32]] [سورة الحـج ].
 
يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويسبشرون، ويحمدون الله أن بلَّغهم إياه، ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات، وزيادة الحسنات، وهجر السيئات، وأولئك يبشَّرون بقول الله: [قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[58]] [سورة يونس ]. وذلك لأن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل، فترى المؤمنين متلهفين مشتاقين إلى رمضان، تحن قلوبهم إلى صوم نهاره، ومكابدة ليله بالقيام والتهجد بين يدي مولاهم، وتراهم يمهدون لاستقبال رمضان بصيام التطوع خاصة في شعبان .  
 
باع قوم من السلف جارية لهم لأحد الناس ، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان – كما يصنع كثير من الناس اليوم – فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: ‘ لمـاذا تصنعون ذلك؟ ‘ ، قالوا: ‘ لاستقبال شهر رمضان ‘ ، فقالت: ‘ وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلَّها رمضان ، لا حاجة لي فيكم ، رُدُّوني إليهم ‘ ، ورجعت إلى سيدها الأول .
 
 
من فضائل الصوم
 
سمع المؤمنون قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي] رواه البخاري ومسلم ؛ فعلموا أن الامتناع عن الشهوات لله عز وجل في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، كما أشار إلى ذلك مفهوم قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ] رواه البخاري ومسلم.
 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبو موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك ، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة ، إذا هاتف فوقهم يهتف :‘يا أهل السفينة ! قفوا أخبركم بقضاء الله على نفسه’ فقال أبو موسى :’ أخبرنا إن كنت مخبراً ‘ ، قال:’إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف ، سقاه الله يوم العطش’ رواه البزار ، وحسنه المنذري، وفي رواية:’ فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حراً فيصومه’رواه ابن أبي الدنيا.
 
وعَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ]رواه البخاري ومسلم .
 
 
وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ: [ آمِينَ آمِينَ آمِينَ ] ، قَالَ: [ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ: آمِينَ ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ] رواه الطبراني في ‘ الكبير’، وصححه الألباني.
 
                
 
فهل تعجب أخي المؤمن أن جبريل ملك الوحي يدعو في هذا الحديث، ثم يؤمِّن الصادق صلى الله عليه وسلم على دعائه؟! وأي عجب ورمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة، ودواعيها متيسرة، والأعوان عليها كثيرون، وعوامل الفساد محدودة، ومردة الشياطين مصفَّدون، ولله عتقاء في كل ليلة، وأبواب الجنة مفتحة ، وأبواب النيران مغلقة، فمن لم تنله الرحمة مع كل ذلك فمتى تناله إذن ؟! ، ولا يهلك على الله إلا هالك، ومن لم يكن أهلاً للمغفرة في هذا الموسم ففي أي وقت يتأهل لها؟! ومن خاض البحر اللجاج ولم يَطَّهَّرْ فماذا يطهره ؟! .                       
 
 
ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ] رواه الترمذي وابن ماجه.
 
إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هديه في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أول ليلة من رمضان:             [أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ] رواه النسائي وحسنه الألباني.

المزيد


الاختيار الصحيح

يوليو 19th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , خطب ومحاضرات, صور, مقالات

تمهيد
الاختيار سنة من سنن الله تعالى في الكون ، فقد خلق الله تعالى السماوات فجعلهن سبع سماوات طباقاً واختار من بينها السماء السابعة مقرأ للملأ الأعلى فكانت أفضل سماء ، وخلق الله الشهور فجعلها اثني عشر شهرا واختار من بينها شهر رمضان ليكون أفضل الشهور عند الله ، وخلق الله الأيام فجعلها سبعة أيام واختار من بينها يوم الجمعة فكان أفضل أيام الأسبوع، وخلق الله الليالي واختار من بينها ليلة القدر لتكون أفضل الليالي ، وخلق الله الكائنات واختار من بينها الإنسان ليكون أفضل الكائنات عند الله ، قال تعالى  } ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا  {(1) ، واختار الله من بني الإنسان أنبياءه ورسله فجعلهم أفضل الناس ، واختار من بينهم خمسة هم أولي العزم من الرسل فجعلهم أفضل أنبياءه ورسله، واختار الله من بينهم رسوله محمداً فكان افضل خلقه جميعا ، فهو خيار من خيار من خيار .
وإذا تأملنا في القرآن الكريم لوجدنا أن الاختيار قد ورد فيه صريحا وضمنا ، فقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أن سياسة الاختيار هي سنة الله في اختيار أنبيائه وعباده الصالحين، قال تعالى في حق بني إسرائيل : } ولقد اخترناهم على علم على العلمين { (2)، وقال تعالى في حق عباده المؤمنين : }قل الحمد لله وسلام على عباده اللذين اصطفى { (3)، ومعنى الاصطفاء : الاختيار (4) . وقال تعالى: } ثم أورثنا الكتاب اللذين اصطفينا من عبادنا { (5)، وقال تعالى مخاطبا نبيه موسى عليه السلام : } وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى { (6) ، كما بين الله تعالى في كتابه الكريم أن سياسة الاختيار للأفضلية هي منهج الأنبياء عند اختيارهم لأصحابهم المقربين ، قال تعالى : } واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا {(7) ، وبين الله تعالى في كتابه الكريم أن سياسة الاختيار هي منهج الحاكم العاقل الذي يختار أفضل العناصر والكفاءات لتسيير شؤون الحكم ، قال تعالى : } وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي { (1) أي : أختاره وزيرا ومستشارا لي.
وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حافلة بكثير من الشواهد التي تبين أهمية الاختيار لأفضل العناصر في هجرته ودعوته وغزواته وجهاده ومشاورته ، فقد اختار أبا بكر الصديق tليكون صاحبه في هجرته ، واختار مصعب بن عمير رضي الله عنه ليكون سفيرا له في يثرب قبل هجرته، واختار علي بن أبي طالب tليكون داعيته إلى الإسلام في اليمن ، واختار معاذ بن جبل tليكون معلما للإسلام في جزء آخر من اليمن .
والتاريخ الإسلامي يحوي في طياته الكثير من الشواهد والمواقف والأخبار التي تؤكد أن سياسة الاختيار متى ما كانت سليمة كانت العاقبة أفضل ، وليس أقرب من أن نستشهد باختيار سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز ليلي الأمر من بعده ؛ كيف كان هذا الاختيار ناجحا وكيف كانت نتائجه .
 
مفهوم الاختيار
في اللغة : الاختيار في اللغة : الانتقاء ، يقول ابن منظور في لسان العرب : خار الشيء  واختاره : انتقاه ، و الاختيار : الاصطفاء (2)
في الإدارة : لا يوجد اختلاف كبير في مفهوم الاختيار عند علماء الإدارة ، فهو يكاد يكون واضحا ومحددا عند جميع من كتب في الإدارة ، والخلاف فقط ينحصر في كيفية التعريف لهذا المفهوم ، غير أن الجميع يتفق بأن سياسة الاختيار عبارة عن عملية انتقاء واصطفاء لأفضل العناصر وأجودها لشغلوظيفة معينة.
ومن خلال استقراء الكاتب لمفهوم سياسة الاختيار توصل إلى الصيغة التالية لتعريف سياسة الاختيار: هي الإجراءات التي تتخذها إدارة المنظمة لانتقاء العناصر الجيدة و الكفؤة لشغل الوظائف الشاغرة ، وتتلخص هذه الإجراءات في : الفحص والاختبار والتجريب   .   أو : هي عملية وضع لرجل المناسب في المكان المناسب .
 
* معايير الاختيار في القرآن الكريم
تختلف معايير الاختيار في القرآن الكريم باختلاف الوظيفة المراد شغلها، وقد ورد ذكر معايير الاختيار بصورة مباشرة في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع هي :
أ. الموضع الأول : سورة البقرة : عندما عانى بنو إسرائيل من عدوهم الذي احتل ديارهم وسفك دماءهم ، وهو جالوت وجنوده ، ولم يكن لهم ملكا أو قائدا عسكريا محنكا يقود جيوشهم لمحاربة عدوهم ودحره ، طلبوا من أحد أنبيائهم أن يعين عليهم ملكا ، فدعا النبي ربه فاختار الله طالوت ملكا على بني إسرائيل وقائدا عاما لقواتهم المسلحة ، فاعترضوا على هذا الاختيار الذي لم يكن قائما على المعايير التي وضعوها في أذهانهم لملكهم المرتقب وهي : الثراء والجاه وسعة المال ، وبين لهم نبيهم أن الله اختار طالوت عليهم وجعله ملكا لتوفر المعيارين الأساسيين لهذه المهمة في هذا الشخص وهما:
أ. سعة العلم ، والمعرفة بشؤون الحكم والحرب والقيادة .
2. سعة الجسم (القوة الجسدية) .
قال تعالى : } ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم : اجعل لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، قال : هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ، قالوا : ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين $ وقال لهم نبيهم : إن الله فد بعث لكم طالوت ملكا، قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ؟ قال : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم${ (1)
قال القرطبي في معنى قوله تعالى: " إن الله اصطفاه عليكم : أي اختاره ، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان، والجسم الذى هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء ، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب ، فلا حظَّ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس ، وأنها متقدمة عليه لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف منه منتسبا " (1) .
وقال بن كثير: " إن الله اصطفاه عليكم : أي اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم ، يقول لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لمَّا طلبتم مني ذلك ، وزاده بسطة في العلم والجسم : أي وهو مع هذا أعلم منكم وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرا في الحرب ومعرفة بها ، أي أتم علما وقامة منكم ، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ". (2)
وجاء في تفسير الجلالين : " إن الله اصطفاه : اختاره للملك عليكم " (3)
ب. الموضع الثاني : سورة يوسف : عندما رأى فرعون مصر أيام نبي الله يوسف u دراية يوسف بعلم التأويل وأراد أن يقربه منه ويجعله وزيرا له ومساعدا ومستشارا ؛ رشح يوسف u نفسه أمام الملك ليتولى خزائن الأرض ، وهي بمثابة وزارة المالية والتموين والتجارة ، وبين يوسف uأن معايير هذه الوظيفة متوفرة فيه وهي :
1.    الحفظ : والمراد بالحفظ ؛ حفظ الأموال والأقوات من الهدر والضياع والسرقة .
2.     العلم : والمراد بالعلم ؛ العلم بشؤون الناس وما يحتاجون إليه ، وكيفية التوزيع العادل للثروة بين المواطنين .
قال تعالى : }وقال الملك : ائتوني به أستخلصه لنفسي ، فلما كلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين $ قال : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم

المزيد


أمريكا .. تهوي إلى الجحيم

أبريل 15th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , الأخبار السياسية, خطب ومحاضرات, سياسة, قراءات, مقالات

قبل أربعة أعوام صنعت الإدارة الأمريكية أكبر كذبة في التأريخ لتبرر هجومها على العراق وهي كذبة " أسلحة الدمار الشامل" .. صدق العالم هذه الكذبة ، وصدقها الأمريكيون أنفسهم ، واحتلت قوى البغي الأمريكي أرض العراق وبدأت رحلة البحث عن كذبتها .. بحثت حتى أضناها التعب عن أسلحة الدمار الشامل .. ولكنها لم تجد أسلحة الدمار الشامل بل صنعت بآلتها العسكرية الفتاكة دماراً شاملاً .ومنذ بدء الاحتلال الأمريكي للعراق في إبريل من عام 2003م أصبح العراق بلداً مدمراً ، حيث فرّ أكثر من مليون مواطن عراقي إلى خارج العراق ، وتشرد مليونان آخران داخل العراق ، وقتل أكثر من مليون إنسان ، واستولى على الحكم عصابة صفوية تدير القمع الديني والتطهير العرقي ، هؤلاء الخونة الذين جلبوا القوات الأمريكية إلى العراق بدعوى تطهير العراق من أسلحة الدمار الشامل ، وتحرير شعبها من القمع والقهر ، هم الذين يديرون رحى الدمار الشامل للعراق أرضاً وإنساناً ، وهم الذين يمارسون القهر والقمع والتهجير للشعب العراقي ، هؤلاء هم الذين استقبلوا المحتلين بالأحضان ، وهتفوا لأمريكا ، ولرئيس أمريكا .يقول أحد الجنود الأمريكيين القتلى في العراق في رسالة بعثها لصديق له قبل مقتله : " لا يمكنك المرور عبر مدينة الفلوجة من دون أن يطلق عليك النار ، الناس البعيدون عن المثلث السني سيلوحون إليك بأياديهم (يقصد الشيعة) ، لكن السنة سيشيرون إليك بأصابعهم الوسطى ويلقون عليك الحجارة ، حتى الأولاد الصغار يفعلون ذلك " أصبحت العراق بعد الاحتلال الأمريكي  خراباً بعد عمار ، وخوفاً بعد أمان ، وتخلفاً بعد رقي ، وتفرقاً بعد اتحاد .أما الإدارة الأمريكية فقد خسرت الكثير .. خسرت على كل المستويات :‌أ.       على المستوى السياسي : سببت الحرب على العراق انقساماً سياسياً في المطبخ السياسي الأمريكي يوشك أن يطيح بالجمهوريين ويطردهم إلى شارع المعارضة لعشرات السنين ، حيث سيطر الديمقراطيون على الكونجرس الأمريكي بشقيه ، فيما يسيطر الجمهوريون على البيت الأبيض وهو أمر لم يحدث منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ، ونتيجة لهذا الانقسام أصبح كل قرار صادر عن البيت الأبيض خاضعاً للفحص والتدقيق ومعرضاً للإحباط من قبل الكونجرس ، وفيما تتزايد الأصوات المطالبة بالانسحاب من العراق في صفوف الشعب الأمريكي أقر الرئيس الأمريكي بوش بصعوبة الحرب في العراق خلال زيارته لقاعدة "فورت إيروين" العسكرية بصحراء كاليفورنيا مساء الأربعاء 4-4-2007، قال بوش: "إنها حرب صعبة.. ولقد مل الشعب الأمريكي هذه الحرب".   أما القائد الجديد للقوات الأمريكية في العراق الجنرال (ديفيد بيترايوس) فقد قال : " أي دارس للتاريخ يدرك أنه ليس هناك حل عسكري لمثل تلك المشكلة في العراق "  .        أما كيسنجر (مهندس الانسحاب الأمريكي من فيتنام ) فقد صرح بأن : «الحرب في العراق أكثر تعقيدا من تلك التي واجهتها بلاده بفيتنام» وأوضح : أن «النصر العسكري بمعنى السيطرة التامة على التراب العراقي وإخضاع كل السكان العراقيين شيء مستحيل، على الأقل في الأمد القريب» .     وقالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة اولبرايت : "إن التاريخ سيسجل حرب العراق على أنها أسوأ كارثة في السياسة الخارجية الأميركية" .‌ب.  على المستوى العسكري : أثبتت الحرب على العراق أن الآلة العسكرية الأمريكية التي لا
المزيد


أحباب الله

فبراير 23rd, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , إسلاميات, خطب ومحاضرات, دين, مقالات, منوعات

الخطبة الأولى
أما بعد :
آية عجيبة .. تبين مدى رحمة الرحمن جل في علاه ..
يقول الله فيها عن عباده المؤمنين أنه .. { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ..
قال ابن القيم رحمه الله :  وليس بمستغرب ..أننا نحب الله تبارك وتعالى ..
ليس بمستغرب ..أنَّ الفقير .. يحب الغني ..
وأنَّ الذليل .. يحب العزيز ..
فالنفس مجبولة على حبّ من .. أنعم عليها وتفضَّل عليها بالنعم ..
لكن العجيب من .. ملك يحب رعيته .. ويحب عباده .. ويتفضل عليهم بسائر النعم ..
حبّ الله لعبد من عبيده .. أمر هائل عظيم .. وفضل غامر جزيل .. لا يقدر على إدراك قيمته إلا من .. يعرف الله سبحانه بصفاته كما وصف نفسه ..
فكيف تكون من أحباب الله ؟
أولاً : كن من المحسنين : فالله يحب المحسنين ..
ومن أعظم درجات الإحسان :
·        الإنفاق في سبيل الله : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
·(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
·        العفو والصفح : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
·        حسن المعاملة و حسن الخلق : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:93)   .. وكان الحبيب (ص) يوصي أصحابه عند ذهابهم للغزو والجهاد قائلاً : "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولاصغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنواإن الله يحبالمحسنين" . وكان يقول (ص) : إن الله يحبمكارم الأخلاق ويبغض سفسافها"
·        الإحسان في البيع والشراء والقضاء : قال رسول الله (ص) :"إن الله يحبسمح البيع سمح الشراء سمح القضاء"
ثانياً : كن من المتقين  ..
·        من التقوى الوفاء بالعهد : (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ، (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ، (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) .
·        ومن التقوى التواضع وعدم الظهور والابتعاد عن الشهرة :  عمر رضي الله عنه خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله صلى الله عليهوسلم يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلمقال : اليسير من الرياء شرك ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربةإن الله يحبالأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إنغابوا لم يفتقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا . قلوبهم مصابيح الدجى يخرجون من كل غبراءمظلمة.
·        ومن التقوى التواضع مع الغنى : قال رسول الله (ص) : "إن الله يحبالعبد التقي ، الغني ، الخفي " ، " إن الله يحب الفقير المتواضع ، وحبه للغني المتواضع أشد"
ثالثاً : كن من الصابرين : ومن أعلى مراتب الصبر … الصبر عند اللقاء : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)
رابعاً : كن من المتوكلين :(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
خامساً : كن من المقسطين :
·        ومن القسط الحكم بين الناس بالعدل : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
·        ومن القسط الاصلاح بين المتخ

المزيد


الحب في الإسلام

فبراير 17th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , إسلاميات, خطب ومحاضرات, دين, مقالات

الحب في الاسلام
الحمد لله رب العالمين ..
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له … يقول في محكم تنزيله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45]  سأل رجل الإمام بن تيمية : كيف يأمرهم بذكره وقت الأزمات، أما هناك وقت للذكر إلا وقت مصارعة الأعداء ؟
فقال الإمام بن تيمية :إن المحبين يتشرفون بذكر محبوبيهم وقت الأزمات .. أما سمعت لقول عنترة لما يقول لمحبوبته :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل      مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها            لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وأشهد أن نبينا ورسولنا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمداً رسول الله … وقف قبل معركة أحد يشاور أصحابه : أنقاتل في المدينة أم نخرج خارج المدينة ؟ فقال كبار الناس: يا رسول الله ! دعنا نقاتل هنا ,  فقام شاب من بني سالم، فقال: يا رسول الله ! لا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو! لأدخلن الجنة, فقال عليه الصلاة والسلام وهو يتبسم: بم تدخل الجنة ؟    قال: بخصلتين، قال: ما هما ؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، قال عليه الصلاة والسلام: إن تصدق الله يصدقك .
وبدأت المعركة يوم السبت ودارت رحاها وأتى الصادق -يوم يوف الله الصادقين بصدقهم- فصدق الله فقتل، ومرّ عليه الصلاة والسلام على البواسل من الجنود فوجد هذا فأخذ يمسح التراب عن جبينه وتدمع عيناه صلى الله عليه وسلم ويقول: صدقت الله فصدقك الله }
اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم …..
أما بعد : أيها المؤمنون الأفاضل : من المسلَّمات التي لا يختلف فيها اثنان أن الإنسان روح تسمو ، وعقل يدرك ، و قلب يحب ، و جسم يتحرك ، وأن الروح غذاؤها الإيمان ، و أن العقل غذاؤه العلم ، و أن القلب غذاؤه الحب ، و أن الجسم غذاؤه الطعام والشراب .
والحب غريزة فطرية ، تعني تعلق القلب بالمحبوب ، وطلب القرب منه حتى في أشد الشدائد وأحلك الظروف .
وكلمة الحب تهتز لها الأفئدة .. وتلهج بذكرها الألسنة ..
الحب : كلمة ساحرة ذات ظلال رقيقة في النفس الإنسانية …
 ولكن ما موقف الإسلام منها ؟
هل يعترف الإسلام بعاطفة الحب ؟
إن الإسلام كله حب ، فإذا أحب الإنسان فإنه يصبح طاقة تفوق حد الخيال … وإذا أحب يصبح مرجلاً يغلي … وإذا أحب يصنع المعجزات .
بماذا تميز عصر الصحابة ؟
بالحب … فبالحب بذلوا الغالي والرخيص … وبذلوا النفس والنفيس … وبالحب فتحت البلاد … وبالحب انتشر العدل في الآفاق .
 
 
أيها الأحبة : لا أعتقد أن كلمةً في الإسلام من حيث الأهمية تأتي بعد كلمة الإيمان ككلمة الحب ، ولكنها مسخت إلى معصية آثمة ، وإلى علاقة محدودة .
المشكلة الخطيرة أن كلمة حب إذا ذكرت لا تعني إلا ذلك الحب الذي تلهج به أجهزة الإعلام … وتتحدث عنه الأغاني … هذا النوع من الحب بين المرأة والرجل كجسد فقط ..
 كلمة الحب كلمة أكبر بكثير ، إنها غذاء قلب كل إنسان … إنها علة اختياره … إنها سر وجوده …
 
 
وأسمى مراتب الحب وأعلاها هو حب الله تعالى : (يحبهم ويحبونه)
وقد ورد في الأثر عن الحبيب صلى الله عليه وسلم : ((أحبوا الله لما يغدوكم به من النعم)) .
  
فمن علامات حب العبد لله :  أن يحب الخلوة .. ويأنس بمناجاة الله .. وتلاوة كتابه ..
لله قومٌ أخلصوا في حبه     فرضي بهم واختصهم خدَّاما

قومٌ إذا جنَّ الظلام عليهم       باتوا هناك سجداً وقياماً

خمص البطون من التعفف ضمّراً   لا يعرفون سوى الحلال طعاماً

 

أوحى الله إلى بعض عباده :
إنَّ لي عباداً .. يحبوني ، وأحبهم .. وأشتاق إليهم ، ويشتاقون إلي .. ويذكروني ، وأذكرهم .. فإذا حذوت طريقهم ..أحببتك .. وإن عدلت عنهم ..مقتك ..
قال يا ربي : وما علاماتهم ؟!..
قال :  يرعون الظلال بالنهار ، كما يرعى الراعي الشفيق غنمه .. ويحنون إلى غروب الشمس ، كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب ..
فإذا جنَّ الليل .. واختلط الظلام .. وفُرشت الفرش .. وخلا كل حبيب بحبيبه .. نصبوا أقدامهم .. وافترشوا وجوههم .. وناجوني بكلامي .. وتملقوني بإنعامي .. فبين  صارخ ، وباكي .. وبين متأوه ، وشاكي .. وبين قائم ، وقاعد .. وبين راكع ، وساجد .. بعيني ما يتحملون من أجلي .. وبسمعي ما يشكون من حبي .. فهنيئاً لهم ..أنَّ الله ..يُحِبُّهُمْ ..وهم يُحِبُّونَهُ  ..
قال الله عنهم واصفاً ليلهم ونهارهم : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً }
فمن كان النوم والاشتغال بالحديث .. ألذ عنده ، وأطيب من .. مناجاة الله .. كيف تصح محبته !!..
فلا شيء ألذ للمحب من الخلوة بمحبوبه .. فلما أحبوه خلوا به .. وتضرعوا إليه بدعائهم .. فلما أحبوه .. فرحوا بظلام الليل .. لأنه أحلى ساعات .. المناجاة .. والدعاء .. والخلوة برب الأرض والسماء..
 
يقول أحدهم :  أحب الليل للقاء ربي.. وأكره النهار لملاقاة الناس ..
اشترى أبو عبد الله النباجي جارية سوداء للخدمة فقال لها : قد اشتريتك .. فضحكت .. فحسبها مجنونه .. فقال : أمجنونة أنت ؟!..
فقالت : سبحان من يعلم خفيات القلوب ، ما بمجنونة أنا ..
ثم قالت : هل تقرأ شيئاً من القرآن ؟..       فقال : نعم ..    فقالت : اقرأ علي ..
فقرأ عليها : بسم الله الرحمن الرحيم .. فشهقت شهقة وقالت : يا الله .. هذه لذة الخبر ، فكيف لذة النظر .. فلما جنَّ الليل وطأ فراشاً للنوم ..
فقالت له :  أما تستحي من مولاك .. أنه لا ينام ، وأنت تنام ..
ث

المزيد


أقصانا لا هيكلهم

فبراير 4th, 2007 كتبها رياض الغيلي نشر في , أبحاث, إسلاميات, الأخبار السياسية, خطب ومحاضرات, دين, سياسة, شعر, صور, عيون الشعر, عيون الصحافة الدولية, قراءات, مختارات, مع الحدث, مقالات, منوعات

 

 

 

 

 

 

 

لله در الشاعر الذي أحس بآهات الأقصى فأنشأ يقول :
أرسَلَ الأقصى خِطاباً فيه لومٌ واشتِياقْ
قالَ لي وَهْوَ يعاني
مِنْ هَوانٍ لا يُطاقْ:
حَدِّثِ الأمّةَ عنّي
بَلِّغِ الأمّةَ أنّي
عيلَ صبري بين أسرٍ واحتِراقْ
هَتَكَ العُهْرُ اليهوديُّ خشوعي
مِنْ رُواقٍ لرُواقْ
أشعَلوا ساحاتيَ الأخرى فُجُورا
وصفيراً ودَنَايا وسُفورا
دنَّسوا رُكنيْ ومِحرابي الطَّهورا
فأنا – اليومَ – أُعاني
بل أُعاني منذُ دهرٍ
أَلَمَ القهرِ أسيرا
لَمْ يَزَلْ قيديَ مشدودَ الوَثاقْ
أَوَ ما يَكفي نِفاقا ً؟
ضِقْتُ من هذا النّفاقْ
أرسِلوا ليْ من صلاحِ الدّينِ خيلاً
أرسِلوها من حِمى الشّامِ وَنَجْدٍ
مِنْ سرايا جيشِ مِصرٍ، أوْ عَرانينِ العِراقْ
تنشُرُ الهيبةَ للإسلامِ بالدّمِّ المُراقْ
منذُ دهرٍ لم تزُرنيْ هذِهِ الخيل العتاق
***
قالَ ليْ الأقصى سلاماً
بِلِّغِ الأمّةَ – يا عبدُ – سلامي
من معاني سورةِ الإسراءِ قُدْسِيَّ الهِيامِ
أَثَرىَّ الوَجْدِ سُنّيَّ العِناقِ
لا سَلاماً خائنَ النّشأةِ عِبْرِيَّ المَذَاقِ
***
واسألِ الأمّةَ أوْ سَلْ بعضَها
كيف للموتِ على الجَمرِ أُساقْ ؟
كيف أصبحتُ مكاناً أثريّاً
بصُنوفِ الفِسقِ ضاق ؟
كيف قد بُدِّلَ طُهريْ
مسرحاً للعُريِ يُغريْ
بين ضَمٍّ واعتِناقِ والتصاقْ ؟!
كدتُ أَنْضَمُّ إلى الحمراءِ من أندلُسٍ
في نَعَايا العصرِ، في ذاك النّطاقْ
يا بني الإسلام، ما حلَّ بكمْ ؟!
هل نسيتُمْ أنّني بوّابةُ السّبْعِ الطّباقْ ؟
من هنا قد واصَلَ الرحلةَ في الكونِ البُراقْ
***
كتَبَ الأقصى وفي رِجليه قيدُ
وعلى أبوابِهِ – من بقايا عُبَّدِ الطّاغوتِ – جندُ:
طالَ شوقي لصليلِ السّيفِ يشدو
وصهيلِ الخيلِ وَسْطَ النّقْعِ تعدو
هل صلاحُ الدّين – يوماً – في رجالِ القومِ يبدو؟
هل ستأتي في نساء القومِ خنساءٌ وهندُ ؟
أم تُراها عقِمَتْ أرحامُها اليومَ
فلنْ يولدَ سعدُ ؟!
ضاعتِ الأوطانُ هدراً
عندما القومُ أضاعوا: "وأعدوا"
 
لماذا المسجد الأقصى ؟
أولاً : لأن المسجد الأقصى توأم البيت الحرام و مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه عرج به إلى السماء، قال تعالى: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير).
ربطَ القرآنُ بينَ البيتِ والأقصى رِباطاً أبَدِياً
لم يكُنْ ذاك خِياراً
أوْ قراراً عربيّا
لم يكُنْ ذاك شِعاراً
مُستعاراً أجنبيّاً
كلُّ مَنْ فَرّقَ بين البيتِ والأقصى فَقَدْ
كَذّبَ القرآنَ أو خانَ النبيّا
 
ثانياً : لأنّ المسجد الأقصى أولى القبلتين فقد توجه المسلمون بصلاتهم نحو المسجد الأقصى بعد رحلة الإسراء والمعراج مدة 16 شهراً، حتى أمر الله تعالى بتغيير القبلة إلى المسجد الحرام.
 
ثالثاً : لأن المسجد الأقصى ثاني مسجد بني على الأرض :- فقد روى البخاري عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – قال: قلت لرسول الله: يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولاً، قال: "المسجد الحرام “، قلت ثم أي قال:" المسجد الأقصى “، قلت: كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " .
رابعاً : لأن المسجد الأقصى هو ثالث الحرمين: قال الحبيب صلى الله عليه وسلم:" لا تشد الرحال إلاّ لثلاثة مساجد:  المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ".
 
خامساً : لأن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة: قال الحبيب صلى الله عليه وسلم:" فضّلت الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة، وفي مسجدي بألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة ".
سادساً : لأن في المسجد الأقصى وأكنافه تكون الطائفة الظاهرة على الحق: فعن أبي أمامة الباهلي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله – عز وجل- وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم، قال: "في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس “.
 
سابعاً : لأن بيت المقدس هو المكان الذي كلم الله فيه موسى، وتاب على داوود وسليمان ، وبشر زكريا بيحيى ، وسخّر لداوود الجبال والطير وأوصى إبراهيم وإسحاق أن يدفنا فيه ، وفيه ولد عيسى ، وتكلم في المهد وأنزلت عليه المائدة ، ورفع إلى السماء ، وماتت مريم ، وإليه هاجر إبراهيم ، وعلى مقربة منه دفن - في خليل الرحمن -.

المزيد


غداً عرفات

ديسمبر 28th, 2006 كتبها رياض الغيلي نشر في , خطب ومحاضرات, عيون الصحافة الدولية, قراءات, مختارات, مقالات, منوعات

الحمد لله رب العالمين … ياااااارب :

لبيك يا أرحم الراحمين .. لبيك يا أرحم الراحمين.. لبيك يا أرحم الراحمين.. لبيك يا مالك يوم الدين.. لا ملجأ إلا إليك    يا رب العالمين .. ها نحن أقبلنا إليك.. ها نحن أقبلنا إليك .. ها نحن أقبلنا إليك .. ومن أقبل إليك تلقيته من بعيد.. ومن أعرض عنك ناديته من قريب .. ومن ترك لأجلك شيئاً أعطيته فوق المزيد .. ومن أراد رضاك أعطيته ما يريد .. ومن تصرف بحولك وقوتك ألنت له الحديد .. ومن تاب إليك فأنت له الحبيب .. فأنت له الحبيب .. فأنت له الحبيب.. ومن أعرض عنك فأنت له الطبيب..

سبحانك سبحانك ؛ أنت الباقي وكل ما في الوجود فناء  ..

سبحانك سبحانك ؛  

شخوص و أشكال تمر فتنقضي   فتفنى جميعاً والمهيمن باقِ

وأشهد ألاااااااااااااااااا    إله إلا الله ؛  له الحمد في الأولى والآخرة .. وله الحكم وإليه ترجعون ..

 لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. أغلى من كل شيء ..

لا إله إلا الله .. أطيب من كل شيء .. لا إله إلا الله أظهر من كل شيء ..

 لا إله إلا الله أكبر من كل شيء ..

لا إله إلا الله ليس قبله شيء .. لا إله إلا الله ليس بعده شيء..

 لا إله إلا الله ليس فوقه شيء .. لا إله إلا الله ليس دونه شيء..

 لا إله إلا الله ليس معه شيء.. لا إله إلا الله ليس كمثله شيء.

وأشهد أن القائد القدوة ..محمداً رسول الله .. خير من صلى وقام.. وأطهر من حج وصام .. أكرم الناس .. و اتقاهم وأبعدهم عن الحرام .. المبشر الأمين أينما كان .. والمظلل بالغمام .. المحفوظ في الغار بالعنكبوت والحمام .. كلامهُ نور.. وهديهُ ينفى الشرور.. وإتباعه أمن وسلام.. من أطاعهُ اهتدى.. ومن حفظ عنه سما.. ومن لاذ بسنته لا يضام.. من أحبهُ نجا.. ومن شرب من يده ارتوى.. الحامد لربه يوم الفزع.. وقد امتنع الكل عن الكلام.. أول من يجوز على الصراط.. وبشفاعته تَثْبُتُ الأقدام.

اللهم اجزه عنا خير ما جزيت به نبياً عن قومه.. ورسولاً عن رسالته.. اللهم ارزقنا شفاعته.. وأوردنا حوضه.. ولا تحرمنا زيارة مسجده.. واسقنا من يده الشريفة شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدا ..

اللهم صل عليه وآله وصحبه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين.. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وعلينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله .. وأستفتح بالذي هو خير ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) : اللهم سدد قلبي ولساني … اللهم اجعل الصدق والإخلاص رائدي في كلامي .. اللهم افتح قلوب السامعين وأسماعهم لسماع كلمتي .. ربااااه .. رباه .. لا تجعلها صيحة في وادٍ ، ولا نفخة في رماد ..

أما بعد : فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة :

غداً عرفة … غداً عرفات .. غداً يقف الحجيج بصعيد عرفات .. يقفون شعثاً غبراً ضاحين .. يلبون .. يستغفرون .. يهللون .. يكبرون .. يدعون .. يبكون .. يبتهلون ..

رفعوا الأكف وأرسلوا الدعوات      وتجردوا لله في عرفات

شعثا تجللهم سحائب رحمة    غبرا يفيض النور في القسمات

وكـأن أجنحة الملائك عانقت      أرواحهم بالبر والطاعات

فتنزلت بين الضلوع سكينة        علوية موصولة النفحـات

وتصـاعدت أنفاسهم مشبوبة      وجدا يسيل بواكف العبرات

هذي ضيوفـك يا إلهي تبتغي      عفوا وترجو سابغ البركات

غصت بهم في حلـهم ورحيلهم   رحب الوهاد وواسع الفلوات

تركوا وراء ظهورهم دنيا الورى  وأتوك في شوق وفي إخبات

وفدوا إلى أبواب جودك خشعا    وتزاحموا في مهبط الرحمات

فاقبل إله العرش كل ضراعة     وامـح الذنوب وكفر الزلات

 

غداً عرفات أيها الأحبة … غداً يباهي الله بنا ملائكته : ((يا ملائكتي ، انظروا لعبادي ، أتوني شعثاً غبراً ضاحين ، أشهدكم أني قد غفرت لهم)).

((يا ملائكتي ، انظروا لعبادي ، أتوني شعثاً غبراً ضاحين ، أشهدكم أني قد غفرت لهم)).

غداً عرفات .. غداً ينكشف الغطاء … وتنفتح أبواب السماء ..  فيتوجه الحجاج إلى الله بقلوب انزاحت عنها ظلمة الأهواء والشهوات .. وأشرقت عليها الأنوار ..  فسمت حتى رأت الأرض ومن عليها ذرة صغيرة تحملها رياح القدرة ..  ثم سمت حتى سمعت تسبيح الملائكة بألسنة الطاعة … ثم سمت حتى تدبرت القرآن غضاً طرياً ..كأنما نزل به الوحي أمس .. وسمعت النداء من جانب القدس: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

 فأجابت : لبيك اللهم لبيك !   ورددت بطاح عرفات .. وأرجاء الحرم .. ورددت السماوات السبع والأرضون : لبيك اللهم لبيك!.
غداً تتنفس الإنسانية التي خنقها دخان البارود .. وعلامات الحدود .. وسيد ومسود .. وعبد ومسيود … وتحيا في عرفات حيث لا كبير ولا صغير ..ولا عظيم ولا حقير .. ولا مأمور ولا أمير  .. ولا غني ولا فقير.
غداً أيها الأعزاء : تتحقق المثل العليا التي لم يعرفها الغرب إلا في أدمغة الفلاسفة وبطون الأسفار .. فتزول الشرور .. وترتفع الأحقاد …وتعم المساواة .. ويسود السلام … ويجتمع الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في صعيد واحد .. لباسهم واحد .. يتوجهون إلى رب واحد … ويؤمنون بنبي واحد … ويدينون بدين واحد … ويصيحون بلسان واحد : لبيك اللهم لبيك !

غداً أيها الأحبة : تظهر المعجزة الباقية .. فتطوى الأرض ثم تؤخذ من أطرافها .. حتى توضع كلها في عرفات .. غداً تلتقي شطان افريقيا بسواحل آسيا .. ومدن أوروبا بأكواخ السودان .. ونهر الكنج بنهر النيل .. وجبال طوروس بجبال البلوز .. فيعرف المسلم أن وطنه أوسع من أن تحده على الأرض جبال أو مجار .. أو تفرقه في السياسة خرق تتميز عن خرق  ..  وأعلام تختلف عن أعلام .

لأن وطن المسلم في القرآن … وطن المسلم في القرآن …    لا في التراب ولا الحجار ..  ولا في البحيرات ولا في الأنهار، ولا في الجبال ولا في البحار … غداً يرتفع شعار: ( إنما المؤمنون إخوة ) .

غداً أيها المؤمنون : يتفقد الإخوة إخوتهم .. فيعين القوي الضعيف .. ويعطي الغني الفقير .. ويساعد العزيز الذليل … فلا ينصرفون من الحج إلا وهم أقوياء أغنياء

المزيد


غداً نموت !!

نوفمبر 24th, 2006 كتبها رياض الغيلي نشر في , خطب ومحاضرات

 

الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين … يا رب .. يا رب .. يا رب ..
اللهم إياك نعبد.. ولك نصلي ونسجد .. وإليك نسعى ونحفِد … نرجو رحمتك ونخشى عذابك .. إن عذابك الجد بالكفار ملحق .
اللهم لك الحمد كله .. ولك الشكر كله .. وإليك يرجع الأمر كله .. علانيته وسره .. فأهلٌ أنت أن تُحمد … وأهلٌ أنت أن تُعبد … وأنت على كل شيء قدير.
لك الحمد بالإسلام .. ولك الحمد بالقرآن .. ولك الحمد بالمال والأهل والمعافاة .. كبتَّ عدونا … وأظهرت أمننا … وجمعت فرقتنا .. ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا .. فلك الحمد والشكر كثيراً كما تعطي كثيراً.
اللهم لك الحمد حتى ترضى .. ولك الحمد إذا رضيت .. ولك الحمد بعد الرضا .. ولك الحمد على كل حال .
لك الحمد كالذي نقول .. وخيراً مما نقول .. ولك الحمد كالذي تقول .
اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن .. ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن .. ولك الحمد أنت الحق .. ووعدك حق .. ولقاؤك حق .. والجنة حق .. والنار حق .. والنبيون حق .. ومحمد صلى الله عليه وسلم حق .. والساعةُ آتيه لا ريب فيها .
 ربااااااه ….. سبحانك سبحانك ؛ أنت الباقي وكل ما في الوجود فناء ..
 سبحانك سبحانك ؛  
شخوص و أشكال تمر فتنقضي             فتفنى جميعاً والمهيمن باقِ
وأشهد ألا إله إلا الله ؛ وحده لا شريك له وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له ، ينادى يوم القيامة بعد فناء خلقه ويقول : أنا الملك ..!! أنا الجبار ..!!   أنا المتكبر ..!!
ثم يقول : لمن الملك اليوم ..؟! فيجيب على ذاته سبحانه !! لله الواحد القهار .
وأشهد أن القائد القدوة ..محمداً رسول الله .. أدى الأمانة .. وبلغ الرسالة .. ونصح للأمة فكشف اللـه به الغمة .. ولبى نداء ربه حتى أجاب مناديه .. ومشى طوال أيامه ولياليه على شوك الأسى .. يخطو على جمر الكيد والعنت .. يلتمس الطريق لهداية الضالين .. وإرشاد الحائرين .. حتى عَلَّم الجاهل .. وَقوَّم المعوج .. وَأمَّن الخائف .. وطَمْأَن القلق .. ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان … كما تنشر الشمس ضياءها في سائر الأكوان .
ومع ذلك خاطبه ربه بقوله : ) إِنَّكَ مَيتُُ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ(      ..
 اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم ، صاحب الخلق العظيم .. وارض يا ربنا عن الذين أيدوه وناصروه ..واتبعوا النور الذي أنزل معه ..أولئك هم المفلحون ..
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله .. وأستفتح بالذي هو خير ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) : اللهم سدد قلبي ولساني … اللهم اجعل الصدق والإخلاص رائدي في كلامي .. اللهم افتح قلوب السامعين وأسماعهم لسماع كلمتي .. ربااااه .. رباه .. لا تجعلها صيحة في وادٍ ، ولا نفخة في رماد ..
وبعد ؛ أحبتي في الله : يا جند التوحيد ، ويا تلاميذ محمد : حديثي معكم اليوم .. حديث ذو شجون .. بل ؛ هو ذكرى للذاكرين .. ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. حديثي اليوم عن النهاية .. نعم ؛ النهاية .. نهاية كل حي .. نهاية كل نفس … حديثي اليوم معكم أيها الأحبة عن : الموت .
الموت .. أتدرون ما هو الموت ؟
الموت لغة : ضد الحياة ..   الموت لغة : ضد الحياة ..
وأما الموت اصطلاحاً : خروج الروح من الجسد .. خروج الروح من الجسد ..
وقيل : هو سلب وكشف ..
 أما أنه (سلب) فلأن العبد يسلب من محبوباته .. من أهله وماله وولده وجاهه ومنصبه … قال جبريل عليه السلام : ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت ..وأحبب ما شئت فإنك مفارقه))([1]).
وأما أنه (كشف): فلأن العبد إذا مات انكشف له ما كان خافيا عليه قبل موته .. قال تعالى :( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد )
الموت نهاية كل حي (كل شيء هالك إلا وجهه [القصص)
 (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)
 (كل نفس ذائقة الموت )
الموت هو الداء الذي لا شفاء منه ( كلا إذا بلغت التراقي - بلغت الروح عظام الترقوة - وقيل من راق - من يرقيه ومن يشفيه - وظن أنه الفراق - وأيقن أنه لا طبيب ينفع ولا علاج يدفع - والتفت الساق بالساق - أي شدت إحدى قدميه بالأخرى وقد كان عليها جوالا - إلى ربك يومئذ المساق ) . 
أيها الموحدون والموحدات : هذا هو الموت … فما صفة الموت ؟ كيف يكون ألم الموت ؟
الموت أيها الأحبة : ألمُ .. وضعفُ .. وفتنة .. ومصيبة ..
ألمُ .. وضعفُ .. وفتنة .. ومصيبة ..
ألمُ : ألمُ لأنه ثلاثة آلاف سكرة .. كل سكرة تعدل ألف ضربة بالسيف ..
ألمُ وصفه كعب الأحبار وهو يحتضر لعمر بن الخطاب (رض) فقال : يا أمير المؤمنين ؛ كغصن كثيرة أشواكه .. أدخلت في جوف رجل .. فأصاب كل شوكة كل عرق فيه .. ثم نزعت منه مرة واحدة .. أبقى منه ما أبقى وأخذ منه ما أخذ.
ألمُ وصفه عمرو بن العاص وهو يحتضر لابنه فقال : يا بني ؛ الموت أعظم من أن يوصف ..لكأن على كتفي جبل رضوى ..وكأن في جوفي شوكة عوسج .. وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة ..وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما.
ألمُ وصفه أحد الصالحين بعد موته ( وقد رؤي في المنام)  فقيل له كيف وجدت طعم الموت ؟
قال : أواه أواه .. وجدته والله شديدا .. والذي لا إله إلا هو … لهو أشد من الطبخ في القدور … والنشر بالمناشير … أقبل ملك الموت نحوي .. حتى استل الروح من كل عضو مني … فلو أني طُبخت في القدور سبعين مرة لكان أهون علي.
ويرى آخر بعد موته في المنام فيقال له: كيف وجدت نفسك ساعة الاحتضار؟
قال كعصفور في مقلاة لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير .
ألمُ عانى منه سيد الخلق وحبيب الحق بأبي هو وأمي (ص) فكان يقول : لا إله إلا الله إن للموت لسَكرات. اللهم هوِّن علينا سكرات الموت.
فرحماك رحماك يا الله … رحماك رحماك يا الله … رحماك رحماك يا الله …
والموت أيها الأحبة : ضعفُ .. وأي ضعف ..
إنها اللحظة التي يضعف فيها الأقوياء .. إنه

المزيد


التالي